استطاعت اسرائيل أن تثبت نفسها في مجال التفوق الأمني والاستخباراتي في معركة عمرها عشرات السنين، إلاّ أننا بدأنا باختبار قدرة هذا المجال وتفوقه مباشرة خلال حرب “الإسناد”.
ولا يختلف اثنان على الإقرار بهذا التفوّق الذي بدا من الصعب مجاراته، وكأنه افتتح نوعاً جديداً من أنواع الحروب، ولا تنفك اسرائيل عن التباهي بدقة الاستهدافات التي تقوم بها، ويكون فيها هامش الخطأ شبه معدوم.
وبحسب تقارير أمنية يقوم الموساد بنشرها كلّ فترة بهدف ترسيخ معادلة تفوقه في جمع المعلومات وتحليلها، والتي بدأها منذ سنوات للنيل من كلّ جماعة أو تنظيم يهدد وجوده، لا يخفي الجيش المتقدّم تكنولوجياً، استغلاله “أتفه” المعلومات بنظرنا، ليحولها إلى بنك من الأهداف، خلفها ترسانة من زلاّت اللسان، والاستخفاف بالعالم التكنولوجي الذي يسبقنا بأشواط، ولا تنكر اسرائيل حتى، إستغلالها المناسبات الدينية والاجتماعية، لجلب هذه المعلومات، لأنها ببساطة، لا تدع أي مناسبة تفوتها.
ووفق ما يقول مصدر أمني، لموقع “لبنان الكبير”: “في عالم الاستخبارات، لا تُعتبر الأعياد والمناسبات الوطنية مجرد فترات احتفال، بل تتحول إلى فرصة ذهبية لجمع المعلومات واستغلال انشغال الأفراد والمؤسسات لتحقيق أهداف أمنية واستخباراتية. إسرائيل، التي تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الاستخباراتية تطوراً، تستغل هذه المناسبات لتعزيز عمليات المراقبة والتجسس بطرق متعددة”.
ويوضح المصدر أن “التجمعات البشرية تزداد خلال الأعياد والمناسبات الكبرى، سواء في الفعاليات العامة أو الاحتفالات الدينية والاجتماعية. هذه التجمعات تتيح فرصة ثمينة لمراقبة الشخصيات المستهدفة، وتعقب أنماط سلوكها، ورصد العلاقات التي تربط بينها. كما أن كثافة الحشود تُسهّل زرع العملاء داخل التجمعات، ما يسمح بجمع معلومات مباشرة من دون إثارة الشكوك”.
إلى جانب ذلك، يُسهم تزايد التنقل خلال العطل الرسمية في تعزيز عمليات التعقب الجغرافي. فالأفراد الذين يسافرون لزيارة عائلاتهم أو أداء طقوس دينية يصبحون أكثر عرضة للمراقبة الالكترونية، بحيث يتم تتبع تحركاتهم عبر بيانات الهواتف المحمولة وكاميرات المراقبة.
ويشير المصدر الى أن “إسرائيل تعتمد بصورة كبيرة على العنصر البشري في جمع المعلومات خلال الأعياد، بحيث تجنّد عملاء يعملون تحت غطاء الاحتفالات أو الفعاليات العامة. فمثلاً، يمكن استغلال التجمعات العائلية لاستدراج أفراد قد تكون لديهم صلات بجماعات أو منظمات مستهدفة، سواء عبر الترهيب أو الترغيب بالمال”، لافتاً الى أن “زيادة النشاط السياحي خلال بعض المناسبات تتيح فرصة لزرع عملاء في الفنادق والأماكن السياحية، حيث يمكنهم جمع معلومات عن الزوار الأجانب أو الشخصيات السياسية والديبلوماسية التي قد تكون حاضرة في هذه الفعاليات”.
الهجمات السيبرانية واستغلال الثغرات الأمنية
مع انشغال المؤسسات والجهات الأمنية بالاحتفالات، تنخفض درجة اليقظة الالكترونية، ما يجعل الأعياد فرصة مناسبة لشن هجمات سيبرانية. وتستغل إسرائيل هذه الفترات لاختراق الأنظمة الحكومية والعسكرية، وسرقة بيانات حساسة، أو تعطيل شبكات الاتصالات والمواصلات.
كما يتم استخدام الأدوات السيبرانية لنشر معلومات مضللة عبر وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف إثارة الفوضى أو دفع الجهات المستهدفة الى اتخاذ قرارات غير محسوبة. في بعض الحالات، يتم نشر أخبار كاذبة حول تهديدات أمنية لإرباك الخصوم أو استدراجهم إلى مواجهة مفتوحة.
ويؤكد المصدر أن “الأعياد والمناسبات الوطنية تشكّل فرصة لزيادة النشاط الالكتروني، بحيث تنشر الجماعات المختلفة بيانات وتحديثات حول أنشطتها وفعالياتها، وبالتالي تستفيد أجهزة الاستخبارات من هذه المعلومات المفتوحة لتحليل توجهات الرأي العام، وتحديد الشخصيات الفاعلة داخل المجتمعات المستهدفة”.
إلى جانب ذلك يضيف، “يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل التفاعلات بين الأفراد والجماعات، ما يساعد في بناء صورة استخباراتية دقيقة حول شبكات العلاقات والتأثير داخل المجتمعات المستهدفة”.
وهذه الاستراتيجيات تُظهر كيف أن إسرائيل لا تترك أي فرصة تمر من دون الافادة منها في تعزيز تفوقها الاستخباراتي. فالأعياد والمناسبات، التي يُفترض أن تكون فترات سلام واحتفال، تتحول إلى مساحات نشطة لجمع المعلومات، سواء عبر الوسائل التقليدية أو السيبرانية، ما يمنحها ميزة استراتيجية في إدارة صراعاتها الاقليمية.
يذكر أن صحيفة “واشنطن بوست” نشرت في 21 كانون الثاني الماضي، تقريراً يوثق تزويد شركة “غوغل” الجيش الاسرائيلي بأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي التي طوّرتها الشركة، وذلك منذ بداية الحرب على غزة، فهل يمكن القول إن التكنولوجيا ستقتلنا؟


