يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب العاصفة، مع تصاعد الهجمات الاسرائيلية على أراضيه، وازدياد الضغوط الخارجية التي تحاول دفعه إلى خيارات مصيرية في ظل توترات إقليمية متفاقمة. فالغارات الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي استهدفت قياديين في “حزب الله”، جاءت لتؤكد أن وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الثاني الماضي أصبح هشاً، وأن إسرائيل مصممة على فرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز الجنوب اللبناني إلى قلب العاصمة.
في الوقت نفسه، تتصاعد المخاوف من حرب إقليمية واسعة مع تصاعد التهديدات الأميركية والاسرائيلية ضد إيران، في ظل استمرار الضربات على حلفائها من لبنان إلى اليمن. وبينما يحرص “حزب الله” حتى الآن على عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة، فإن التطورات الميدانية تطرح تساؤلات جدية حول المدى الذي يمكن للبنان أن يتحمله قبل أن يجد نفسه مجبراً على اتخاذ موقف مختلف. فهل يستطيع هذا البلد، الذي لطالما دفع ثمن صراعات الاقليم، أن ينأى بنفسه عن المواجهة، أم أن الأحداث ستفرض عليه معادلات جديدة؟
استراتيجية “قص الأجنحة” مستمرة
منذ أشهر، تتبنى واشنطن وتل أبيب استراتيجية واضحة تهدف إلى إضعاف النفوذ الايراني في المنطقة من خلال استهداف أذرعها العسكرية. ففي اليمن، كثفت القوات الأميركية ضرباتها ضد الحوثيين بهدف تحجيم تهديداتهم للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وسط تحذيرات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن “الألم الحقيقي لم يأتِ بعد” إذا استمرت الهجمات على السفن الأميركية.
أما في لبنان، فقد انتقلت إسرائيل إلى مرحلة جديدة من المواجهة مع “حزب الله”، إذ لم تعد ضرباتها تقتصر على الجنوب بل توسعت لتشمل قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، المعقل الأساسي للحزب. الغارات الاسرائيلية الأخيرة استهدفت معاون مسؤول الملف الفلسطيني في الحزب، حسن علي بدير، وأدت إلى مقتله مع عدد من المدنيين، ما يعكس نية إسرائيل في توسيع دائرة المواجهة.
“حزب الله”: التزام بالردع لا الحرب
على الرغم من الضربات الاسرائيلية، لا يبدو أن “حزب الله” في وارد الانجرار إلى مواجهة واسعة مع تل أبيب في الوقت الحالي، بحيث تؤكد مصادر قريبة منه أن الحزب في مرحلة التحلي بالصبر والثبات كي يصمد، ويركز على “حفظ إيمان الناس بالمقاومة ورفع قدرتهم النفسية والمادية على تحمّل الأثمان”.
وتشير المصادر نفسها إلى أن أحد أهداف إسرائيل في تصعيدها هو خلق حالة من الإحباط الشعبي تدفع اللبنانيين إلى القبول بالتسويات على حساب المقاومة، وهو ما يرفضه الحزب جملةً وتفصيلاً. ومع ذلك، لا تخفي أوساطه أن التطورات قد تدفعه إلى تغيير استراتيجيته، خصوصاً إذا شعر أن لبنان بأسره أصبح تحت الضغط الاسرائيلي المباشر.
هل تتحول التهديدات ضد إيران إلى مواجهة مباشرة؟
الحديث عن ضربة أميركية – إسرائيلية ضد إيران لم يعد مجرد تكهنات، بل بات سيناريو مطروحاً بقوة في الأوساط الأمنية والاعلامية. فقد كشفت “القناة 14” الاسرائيلية أن “هجوماً واسعاً على الأراضي الايرانية قد يحدث قريبًا”، مشيرةً إلى أنه قد يكون الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض بموقف أكثر تشدداً تجاه طهران، لوّح مؤخراً بعمل عسكري كبير إذا لم توافق إيران على اتفاق نووي جديد، قائلاً بوضوح: “إذا لم يوقعوا اتفاقاً، فسيكون هناك قصف… قصف لم يروا مثله من قبل”.
في المقابل، لم تتأخر إيران في الرد برسائل غير مسبوقة، بحيث لمّح مستشار المرشد الأعلى علي لاريجاني، إلى أن طهران قد تضطر إلى تغيير سياستها النووية إذا تعرضت لهجوم. كما حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي مغامرة عسكرية ضد بلاده ستُقابل بـ”ردّ لا يمكن تحمله”.
لبنان بين ضغوط الداخل والخارج
ويبدو أن الدولة اللبنانية في موقف حرج للغاية، إذ تتلقى ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، للالتزام بتفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله” وفقاً للقرار 1559، وهو أمر يبدو مستبعداً في ظل التوترات الاقليمية الحالية.
في الوقت نفسه، تتعالى أصوات داخلية تحذر من جرّ لبنان إلى حرب جديدة، حتى من داخل بيئة الحزب، التي ترى أن لبنان لا يجب أن يكون في “بوز مدفع الحروب الاقليمية”.
هل لبنان قادر على النجاة؟
مع تصاعد وتيرة الضغوط الأميركية والاسرائيلية، وتزايد المخاطر في الاقليم، يبقى السؤال الأهم: هل لا يزال لبنان قادراً على النجاة من العاصفة المقبلة؟ الأحداث الأخيرة تشير إلى أن البلاد تقف على حافة أزمة قد تكون الأخطر منذ سنوات، بحيث تفرض المعادلات الدولية نفسها على واقع لبناني هشّ، بين التهديدات الخارجية والانقسامات الداخلية.
ما هو مؤكد أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، فإما أن تستمر سياسة “قص الأجنحة” الايرانية من دون اندلاع حرب كبرى، وإما أن تشهد المنطقة زلزالاً عسكرياً قد يغيّر وجهها بالكامل.


