إنتقال لبنان من الاستغلال الايراني إلى العناية السعودية

جورج حايك

لا تنفصل أزمة لبنان المتمثّلة في سلاح “حزب الله” عن عقدة النفوذ الايراني في منطقة الشرق الأوسط أو ما يُسمّى محور الممانعة الذي تراجع كثيراً إثر الضربات الاسرائيلية والأميركية التي استهدفت أذرعه العسكرية في لبنان وسوريا واليمن وغزة، وهذا ما إنعكس سياسياً على لبنان، فتمّت إعادة بناء الهرم الدستوري من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وتعيينات أمنية وإدارية، ما جعل دويلة “الحزب” تنكفئ قليلاً بسبب ضعفها لمصلحة الدولة.

طبعاً رحلة عودة الدولة اللبنانية لم تكن لتحصل لولا خسارة “الحزب” الحرب أمام اسرائيل، ولولا الدعمين الأميركي والسعودي اللذين كانت لهما اليد الطولى في دعم عملية انتخاب الرئيس جوزاف عون، إضافة إلى تأثيرهما في دعم تكليف القاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة.

لكن الجميع يشعرون أن لبنان لا ينعم بالاستقرار حتى اليوم، إذ يستمر “الحزب” متشبثاً بسلاحه محاولاً كسب الوقت لاسترجاع نفوذه وهيمنته على الدولة اللبنانية، وتتوالى الضربات الاسرائيلية مستهدفة بنيته العسكرية وقيادييه في كل المناطق اللبنانية.

تُدرك القيادة السعودية أن تحرر لبنان من الهيمنة الايرانية يحتاج إلى وقت طويل، ومسار الأحداث لا يصبّ في مصلحة إيران نتيجة التهديدات الأميركية-الاسرائيلية المتصاعدة، لذلك تعتمد السعودية سياسة “النفس الطويل”، ويشير رجل أعمال سعودي نافذ مقيم في الولايات المتحدة الأميركية الى أن المملكة تولي السلطة الجديدة في لبنان أهمية كبيرة، وهذا ما انعكس في استضافتها لرئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين من جهة، ورعايتها إتفاقاً بين الجانبين اللبناني والسوري للتفاهم على ترسيم الحدود من جهة أخرى، بحيث ستتولى السعودية استضافة الوزراء المختصين في أكثر من زيارة من أجل تحقيق هذا الهدف، وقد جاءت المبادرة السعودية إثر اشتباكات بين جيش الادارة السورية الجديدة والعشائر اللبنانية التي يدعمها “الحزب”، وبذلك سحبت القيادة السعودية هذه الورقة الحسّاسة من يد إيران، ووضعتها في إطارها الرسمي الصحيح للتوصّل إلى حلّ جذري بين الدولتين.

تعوّل السعودية على حكمة الرئيسين عون وسلام لحل مسألة سلاح “الحزب” وتحبّذ الطرق السلميّة والسياسية من أجل الوصول إلى هذا الهدف صوناً للسلم الأهلي، وفق رجل الأعمال السعودي، ولا تؤيّد استمرار الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني، كما ترفض استمرار العمليات العسكرية الاسرائيلية في سوريا ولبنان لأن من شأن ذلك أن يفتح مجالاً لتبرير الدعم الايراني لـ”الحزب” وإبقاء سلاحه، وكل ذلك سيؤخّر مسيرة نهضة الدولة اللبنانية اقتصادياً وانمائياً، علماً أن السعودية والخليج والمجتمع الدولي عموماً سيمتنعون عن تمويل أي إعادة إعمار إذا لم تحلّ مسألة سلاح “الحزب”.

ولا شك في أنه لو استكملت اسرائيل الحرب على “الحزب”، لا يُمكن للبنان أن يدخل في عمليات تطبيع معها في المستقبل، لأن حالته استثنائية، ويلفت رجل الأعمال السعودي إلى أن كل المكوّنات اللبنانية تُجمع على رفض التطبيع حالياً، وهذا يرتبط بما ستؤول إليه العلاقات المستقبلية بين السعودية واسرائيل أيضاً، وخصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية بإدارة دونالد ترامب تعتبر هذا الأمر من أولوياتها، إلا أن السعودية لن تبادر إلى فتح الطريق أمام علاقات مستقرة مع اسرائيل ما لم تضمن أوضاع عدد من الدول العربية معها مثل سوريا ولبنان ومصير قطاع غزة.

صحيح أن السعودية انكفأت عن الساحة السياسية اللبنانية طويلاً أمام النفوذ الايراني الذي كان سائداً، إلا أنها لم تتخلَ عن لبنان على نحو نهائي، بل بقي سفيرها وليد بخاري يقوم بواجبه في أحلك الظروف على الرغم من العوائق التي وضعها “الحزب” وخطاب أمينه العام السابق حسن نصر الله العدائي ضد السعودية. وبعد انتخاب عون رئيساً، أرسلت القيادة السعودية وزير خارجيتها فيصل بن فرحان في 23 كانون الثاني الفائت، لتعيد مكانتها في لبنان في ظلّ تراجع النفوذ الايراني.

في الواقع، يؤكّد رجل الأعمال السعودي الخبير في العلاقات اللبنانية-السعودية أن لبنان لا يزال في غرفة العناية، ولا مانع لدى السعوديين من الدعم الاقتصادي والاستثمارات في لبنان عندما تحلّ مسألة السلاح غير الشرعي، وهي تثق بعون وسلام اللذين توليهما أهمية خاصة، وقد أبدت المملكة ارتياحها إلى خطاب القسم لعون الذي تعهّد فيه باحتكار الدولة اللبنانية للسلاح، وتأمل في إستمرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وترسيم الحدود بين الدولتين، وتنتظر من الحكومة الجديدة اصلاحات اقتصادية ضرورية لفتح الباب أمام الدعم المالي من دول الخليج في المستقبل.

ولا بد من الاعتراف بأن تنامي النفوذ السعودي في سوريا والعلاقة الجيدة مع حكومة الرئيس أحمد الشرع، ستنعكس على لبنان استقراراً، مع ضرورة منع السلطات اللبنانية “الحزب” من العبث في الداخل السوري ولا سيما عمليات تهريب الكبتاغون والسلاح، وهذه مهمة الجيش اللبناني بحيث تتمنى القيادة السعودية أن يتسلم زمام الأمور على الحدود بدلاً من “الحزب” المرتبط بمصالح إيران.

في نهاية المطاف، تتسم استراتيجيات التدخل التي تنتهجها إسرائيل وإيران وتركيا بطموحها وشموليتها في سوريا ولبنان. ويعتبر رجل الأعمال السعودي المقيم في نيويورك أنه إذا فشلت السعودية في وقف تقدمها أو على الأقل إبطائه، فإن دورها الذي طالما سعت الى الحفاظ عليه كقوة إقليمية وراعية للمصالح العربية سيتعرض لانتكاسة كبيرة. فمن جهة، ستتشجع تركيا وإسرائيل وإيران. ومن جهة أخرى، قد تبدأ الدول العربية، بما في ذلك جيران السعودية المباشرون في الخليج، بتجاوز الرياض وتشكيل تحالفات إقليمية جديدة أو العمل منفردة سعياً الى تحقيق أهدافها. وفي ظل هذه السيناريوهات المقلقة، تسعى السعودية بنشاط إلى موازنة النفوذ التركي والاسرائيلي والايراني في سوريا ولبنان.

هل يُمكن القول إن لبنان إنتقل من الاستغلال الايراني إلى العناية السعودية؟ قد يكون من المبكر تثبيت هذه المعادلة، لكن التطوّرات القادمة إلى الشرق الأوسط وخصوصاً ما قد تنتهي إليه مسألة الملف النووي الايراني وإضعاف الأذرع العسكرية الايرانية وأهمها “حزب الله”، يجعل الرياض في صلب التحوّلات الجيوسياسية، وقد أقرّ الرئيس عون فعلياً بدور المملكة العربية السعودية الجديد كراعٍ إقليمي رئيسي للبنان، وهذا ما سيتضّح قريباً.

شارك المقال