كيف ستواجه "القوات" سيدة نجاة جديدة؟

سياسة 25 تشرين الأول , 2021 - 12:01 ص
سمير جعجع

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

قال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أن فبركات كنيسة سيدة النجاة ولّت ولن تتكرر، لكن كثراً يراقبون مسار التحقيق في أحداث الطيونة وعين الرمانة، إذ يقوم "حزب الله" منذ اللحظة الأولى للحادثة بـ"شيطنة" القوات واتهامها بنصب كمين أدى إلى مقتل عدة متظاهرين، علماً أن كل الشاشات والفيديوات التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي لم تُظهر أي مسلح قواتي بل كشفت اعتداءات مسلحة لعناصر "حزب الله" و"حركة أمل" في شوارع الطيونة وعين الرمانة.

اللافت أن وسائل الاعلام التابعة لـ"حزب الله" والمحللين المحسوبين عليه سياسياً يقودون حملة مبرمجة ضد "القوات" ورئيسها وهذا ما بات واضحاً، ويستبقون التحقيقات ولا ينقصهم سوى الطلب بحلّ "القوات" واعتقال رئيسها ومحاكمته، وأخذوا يحتفلون منذ أيام قليلة باستدعاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي لجعجع، بهدف الاستماع إلى إفادته بشأن التوترات بين الطيونة وعين الرمانة، ولا شك في أن قرار هذا القاضي بدا متأثراً بسيطرة "حزب الله" على المحكمة العسكرية، إلا أن هذا القرار المريب من الصعب أن يترجم وهناك تساؤلات لمرجعيات قضائية كبيرة حوله وسرعان ما ستظهر "القطبة المخفية" فيه، وربما أصبحت مكشوفة نتيجة قرابة بين القاضي عقيقي ورئيس حركة أمل نبيه بري!

كلام جعجع عبر برنامج "صار الوقت" على شاشة الـMTV كان واضحاً، فأكد أنه يخضع للقانون لكن اشترط أن يكون عادلاً ويتعامل مع الطرفين بمساواة، ورضي بأن يُستمع إلى افادته إذا استدعي أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله إلى المحكمة، رغم اعتباره أن "القوات" غير معنية بما حصل لا من قريب ولا من بعيد، إنما أيّد حق أهالي عين الرمانة بالدفاع عن النفس ضد غزوة مسلحي "حزب الله" و"حركة أمل"!

حتماً خلفية الموضوع سياسية وليست قضائية، فالـ"الحزب" يشعر بأنه أخفق في تطويع أهالي عين الرمانة الذين يناصر معظمهم "القوات"، ولم يبق لديه سوى الاستثمار في قضية "القوات" وتوريطها في ملف قضائي، وخصوصاً انها تبدو الأكثر شراسة في معارضة "الحزب" في مسألة التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، فاخترع موضوع "الكمين" وهو يعرف أن "القوات" بريئة منه، إلا ان الفرصة مواتية للتخلّص منها انطلاقاً من اعتباراته العقائدية والسياسية، وهكذا يرتاح من آخر مؤسسة حزبية تمانع سيطرته على لبنان.

طبعاً ليس كل ما يفكّر فيه "الحزب" قد يتحقق، هو يخطط وينفّذ "ويفبرك" مستلهماً أساليب حليفه النظام السوري في تسعينات القرن الماضي عندما فجّر كنيسة سيدة النجاة في الزوق واتّهم فيها "القوات" والجميع يعرف ما حصل من تداعيات على إثرها، إلا أن عوامل عديدة تغيّرت، يبدو أنها تجعل أهداف "الحزب" صعبة التحقق وهي:

أولاً، كان لبنان في التسعينات خاضعاً للاحتلال السوري، والأسوأ أن هذا الاحتلال كان يحظى بضوء أخضر دولي، وكانت كل المؤسسات في لبنان، من رأس الهرم إلى اسفله، خاضعة لهذا الاحتلال، فيما يبدو اليوم ان الوضع مختلف، و"حزب الله" لا يحظى بدعم دولي إنما بالعكس تُفرض عليه عقوبات دولية ومصنف ارهابياً في أكثر من دولة.

ثانياً، كان النظام السوري ممسكاً بمجموعة بيئات متحالفة معه، وكانت هناك حواجز نفسية بين اللبنانيين نتيجة الحرب، إنما "حزب الله" اليوم يختلف مع اكثرية البيئات اللبنانية، بل هو على تناقض معها انطلاقاً من وضعيته ودوره، وقد حصلت انتفاضات عديدة ضده أهمها 14 آذار 2005 و17 تشرين الأول 2019.

ثالثاً، كان الاحتلال السوري في التسعينات ممسكاً بكل الأجهزة الأمنية والقضائية، أما "حزب الله" اليوم فيستخدم كل طاقته ونفوذه لإقصاء القاضي طارق البيطار وهو يفشل بذلك، وخصوصاً أن الأجهزة الأمنية ليست كلها خاضعة له، وإذا كان هناك مسار قضائي منحرف، تعلو الأصوات فوراً لتصحيحه، كما حصل منذ ايام قليلة، عندما رفض البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي استهداف "القوات"، فطلب من قائد الجيش جوزف عون أن يكون التحقيق شفافاً وموضوعياً وغير استنسابي ومن دون تأثيرات سياسية، وهذا ما يضمن عدم تكرار ما يشبه ملف انفجار سيدة النجاة.

تلك هي العوامل التي لا تسمح لـ"حزب الله" بالذهاب بعيداً في هذا الموضوع، علماً أن "القوات اللبنانية" تعتبر نفسها في مواجهة مع "الحزب" وتؤكد أنها لن تسمح له بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وستستمر في العمل باتجاه بناء دولة تجسّد تطلعات اللبنانيين الذين يعتبرون "حزب الله" مرادفاً للفقر وعدم الاستقرار والمأساة التي يعيشونها.

وضعت القوات خطاً أحمر في الموضوع القضائي، أولاً لن تقبل باستدعاء جعجع إذا لم يُستدعَ نصرالله، ثانياً ستتابع التحقيقات، وتجنّد فريقاً قانونياً للتدقيق بالشاردة والواردة للتأكد من نزاهة وشفافية التحقيق الذي يجري مع الموقوفين، ومن المتوقع أن يقوم أهالي عين الرمانة بالادعاء على قيادتي "حزب الله" و"حركة أمل" وسيطالبون بمحاسبة مسلحي "الحزب" الذين أظهرتهم الشاشات يطلقون النار عشوائياً، وهذا مسار طويل، أما "القوات" فستتابع النضال وتدعم القاضي البيطار حتى النهاية في التحقيقات المتعلقة بقضية انفجار مرفأ بيروت.

إذاً، بالنسبة إلى "القوات اللبنانية" لن يكون هناك اعادة لمشهد كنيسة سيدة النجاة ولن تتكرر تداعياتها، بل أن الزمن الأول تحوّل، وما بعد 14 تشرين لن يكون كما قبله، واستخدام "حزب الله" لسلاحه لم يعد استثماراً مربحاً، والشعب اللبناني كسر حاجز الخوف من هذا السلاح.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us