لفتت قراءة في موقع “بلومبرغ” إلى أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين “ستعيد تشكيل عالمنا بشكل جذري وستحدد النظام الدولي وتؤثر على العالم بأسره. وستكون المعركة في أفضل الأحوال طويلة ومتوترة”.. “حرب باردة جديدة” تمتد لسنوات. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تتطور إلى كارثة نووية. بالنسبة الى الأميركيين، سيشكل الفوز بهذه المنافسة التحدي المركزي للعصر.
وتدرك بكين جيداً حجم الرهانات، وقد عملت لعدة عقود، على تجاوز الولايات المتحدة كقوة رائدة في آسيا. وصرح الزعيم الصيني شي جين بينغ قائلاً إن الهدف طويل الأمد هو “صنع مستقبل نتحكم فيه بالمبادرة ونمتلك فيه الموقع المهيمن”.
ومنذ العام 2017، حدد رئيسان أميركيان هما دونالد ترامب وجو بايدن الصين باعتبارها المنافس الأول. وبفعل هذه المنافسة، يتغير الجيش الأميركي والاقتصاد والحكومة بصورة جوهرية. في بلد منقسم، تبقى السياسات المناهضة للصين من بين القضايا القليلة التي تحظى بتأييد واسع من الحزبين. لكن، هل هذه السياسات فعالة؟
الصين تبني إمبراطوريتها
لا بد من الاشارة بادئ ذي بدء إلى أن هذه الحرب الباردة الجديدة أقدم مما تبدو عليه. فقد كانت في صميم السياسة الأميركية منذ 2017، عندما وصف ترامب الصين بـ “المنافس الاستراتيجي الذي يسعى الى تشكيل عالم معادٍ للقيم والمصالح الأميركية”. ومع ذلك، فإن جذورها أعمق بكثير. فالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين هي امتداد لصراع قديم بين القوى القائمة والقوى الصاعدة. إنها معركة ضمن الحرب الطويلة حول من سيسيطر على العالم: الأنظمة الديموقراطية أم الاستبدادية. ويرتبط هذا الصراع بطموحات الصين الاستراتيجية الممتدة عبر القرون.
حين يتحدث شي عن “النهضة العظيمة للأمة الصينية”، يشير إلى أن الصين (التي كانت يوماً أعظم إمبراطورية في العالم) يجب أن تستعيد مكانتها العليا. منذ استيلاء الحزب الشيوعي الصيني على الحكم عام 1949، آمن قادته بأن أمتهم ستتجاوز الولايات المتحدة يوماً ما.
حتى خلال فترة الانفتاح الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات، بقي القادة الصينيون يشككون في نوايا واشنطن، معتبرين أن الولايات المتحدة كانت تسعى الى احتواء الصين الناشئة. قال الزعيم دنغ شياو بينغ عام 1989 إن الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي انتهت، لكن الحرب الباردة مع الولايات المتحدة قد بدأت بالفعل.
القدرات العسكرية
وعلى مدى عقود، عملت الصين على بناء قدراتها العسكرية للفوز بهذا الصراع، بحيث بدأ توسعها العسكري غير المسبوق في التسعينيات. في المقابل، كانت الولايات المتحدة تنافس الصين بطريقتها الخاصة، من خلال الحفاظ على تحالفاتها العسكرية وقوتها في المحيط الهادئ، حتى في ظل سعيها الى تحقيق مكاسب اقتصادية مع بكين.
ولكن خلال العقد الماضي، تحول هذا التنافس الخفي إلى صراع علني. وأدى انخراط الصين في سلوك أكثر عدوانية واستبدادية، خصوصاً بعد تولي شي السلطة عام 2012، إلى تفاقم التوترات مع الولايات المتحدة.
نهاية العولمة
درس آخر هو أن هذه الحرب الباردة الجديدة أنهت حقبة العولمة. فالصراع مع الصين هو أساساً صراع تكنولوجي-اقتصادي. ومن يسيطر على التكنولوجيا الأساسية يسيطر على العالم.
وتسعى الصين الى السيطرة على سلاسل الإمداد ونقاط الخنق التكنولوجية. الولايات المتحدة ردت بفرض رسوم جمركية وضوابط على الصادرات واستثمارات ضخمة في قطاعات استراتيجية كأشباه الموصلات والسيارات الكهربائية.
لكن الفوز يتطلب أكثر من مجرد قطع العلاقات مع الصين؛ بل يحتاج إلى تعزيز الشراكات مع الدول الصديقة لبناء كتلة اقتصادية قوية تستطيع التفوق على “مصنع العالم” الصيني.
صناعة التحالفات وتفكيكها
بالإضافة إلى ذلك، تتطلب الصراعات الكبرى بناء تحالفات قوية. خلال السنوات الماضية، كانت الولايات المتحدة تتقدم في هذا المجال، بفضل السياسات العدوانية للصين التي نفرت جيرانها من الهند إلى اليابان.
ومع ذلك، لا منظمة أمنية متعددة الأطراف في آسيا تعادل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يجعل الاستجابة لأي عدوان صيني أمراً معقداً وغير مضمون. كما أن الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي على الصين لا يزال عميقاً لدى العديد من دول المنطقة.
ماذا عن التفوق العسكري الأميركي؟
وفي العقود الماضية، كان الجيش الصيني ضعيفاً ومترهلاً. اليوم، يمتلك أكبر قوة بحرية في العالم وترسانة صاروخية متطورة. وباتت تحذيرات كبار المسؤولين الأميركيين أكثر صراحة: “الصين تستعد لحرب مع الولايات المتحدة”، حسب وزير سلاح الجو الأميركي.
وعلى الرغم من بعض المبادرات الأميركية الواعدة، مثل الاعتماد على الطائرات المسيرة لتحويل غرب المحيط الهادئ إلى “جحيم ناري” ضد الصين، يبقى العجز في الذخائر طويلة المدى والقدرات الصناعية الدفاعية الأميركية مصدر قلق خطير.
خسارة واشنطن للنفوذ الناعم
لا تقتصر الحروب الباردة على السلاح وحسب، بل تشمل المعركة المعلوماتية والتنافس على كسب القلوب والعقول. كانت الولايات المتحدة تملك أدوات قوية في الحرب الباردة الأولى، لكنها اليوم تعاني من تراجع حاد في قدرتها على خوض هذه المعارك.
إغلاق مؤسسات مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووقف تمويل مؤسسات داعمة للديموقراطية، أضعف قدرة واشنطن على مواجهة النفوذ الصيني، خصوصاً في العالم النامي.
مواجهة صفرية المصير
هذه المنافسة صفرية النتيجة. لا “صفقة كبرى” أو تسوية وسطى يمكن أن تحسم الصراع بين قوتين تسعيان الى الهيمنة. إما أن تنتصر الديموقراطيات وتقيد الصين، أو أن تنتصر الصين وتعيد صياغة النظام العالمي لصالحها.
وفي الختام، أصبحت المنافسة الأميركية الصينية مرهونة إلى حد بعيد بشخصيتي قادتي البلدين: شي جين بينغ الذي قاد الصين نحو المزيد من الحزم والمخاطرة، ودونالد ترامب الذي أطلق المنافسة علماً بأن سياساته المتقلبة قد تقوّض فرص الفوز”.


