هل تعيد إيران صياغة استراتيجيتها في المنطقة؟

حسناء بو حرفوش

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يتزايد الاهتمام بفهم مستقبل استراتيجية إيران في إدارة وكلائها الاقليميين. وفي هذا السياق، طرح تقرير في موقع المجلس الأطلسي محاكاة حربية نظمها في آذار 2025، في محاولة لتحليل الخيارات المتاحة أمام طهران في ظل الظروف الراهنة، مع التركيز على إعادة صياغة علاقتها بوكلائها، وسيناريوهات التعامل مع الملف النووي والتفاعلات الاقليمية والدولية المحيطة.

المقال بنى على “جلسة محاكاة حربية (War Game) في مارس (آذار) 2025 لاستكشاف كيفية تشكيل إيران لمستقبل استراتيجيتها عبر الوكلاء، وتحديداً علاقتها مع حزب الله. شارك في هذه الجلسة ممثلون عن عدد من مراكز الأبحاث في واشنطن العاصمة. وشملت المحاكاة خمس مجموعات رئيسية: إيران وحزب الله والولايات المتحدة وإسرائيل وبقية دول العالم، وضمت خبراء في شؤون سوريا وروسيا والصين وتركيا. ولعبت مجموعة بقية العالم دوراً محورياً في تمثيل مصالح المجتمع الدولي وإمكانات تحركه استجابةً للتطورات في الشرق الأوسط.

استهلت المحاكاة بعرض شامل للوضع الحالي في المنطقة، حيث تمر إيران بأضعف حالاتها منذ سنوات نتيجة الضربات الاسرائيلية على أراضيها والأضرار التي لحقت بحزب الله، ما أدى إلى تراجع كبير في قدراتها، لا سيما عند الحدود مع إسرائيل. وعلى الرغم من أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات، فقد تكبد خسائر فادحة. ومع انهيار النظام السوري، تراجعت قدرة إيران على إيصال الدعم العسكري واللوجيستي عبر سوريا، التي كانت تمثل نقطة الارتكاز الأهم في الدعم. كما تعاني إيران من أزمة مالية متفاقمة من المرجح أن تزداد سوءاً في ظل محاولات إدارة ترامب إضعاف إيران وحلفائها. وقد أدركت إيران خلال هذا الصراع الاقليمي أن الحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق باتت أكثر استقلالية وأقل خضوعاً لتوجيهات طهران.

أما السؤال المركزي في المحاكاة: هل ما تزال استراتيجية الوكلاء الايرانية فعالة؟ أم حان وقت إعادة النظر فيها؟

أولى المعضلات المطروحة تمحورت حول الاستثمار الايراني في إعادة بناء حزب الله، في ظل أزمتها الاقتصادية والعقوبات الأميركية. واتخذت مجموعة إيران بموافقة مجموعة حزب الله، قراراً استراتيجياً بعدم إعطاء أولوية لاستراتيجية الوكلاء في هذه المرحلة، مع تركيز الجهود على الاستقرار الداخلي والحفاظ على النظام.

هذا القرار مدفوع بعدة عوامل، منها الضغوط المالية والحاجة الى تخصيص الموارد للمشكلات الداخلية والإخفاق في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل والإدراك بأن الحزب لن يلعب دوراً حاسماً في أي مواجهة قريبة بين إيران والغرب. نتيجة لذلك، قررت المجموعة التي تحاكي حزب الله البحث عن مصادر تمويل بديلة عن إيران، شملت إفريقيا ودول الخليج والتمويل الذاتي والتبرعات.

وبالتوازي، قررت المجموعة التي تحاكي إيران تجنب أي تصعيد من شأنه أن يؤدي إلى ضربات إسرائيلية إضافية تهدد وجود حزب الله على المدى الطويل. وبدلاً من ذلك، اختارت دعم الحزب بصورة غير علنية لإعادة بناء قدراته تدريجياً. وواجهت مجموعة الحزب معضلة تتعلق بإمكان مشاركتها في رد إيراني على هجوم غربي محتمل، لكن المجموعتين اتفقتا على أن الوقت غير مناسب لذلك. وتم الاتفاق على أن أولوية حزب الله يجب أن تكون إعادة ترسيخ حضوره في الساحة اللبنانية الداخلية.

وبالتالي، تقرر تعبئة الرأي العام ضد القيادة اللبنانية الجديدة مع السعي الى الحصول على تمويل إيراني لكسب ثقة الجمهور وتعزيز موقفه قبل الانتخابات المقبلة، واستغلال وقف إطلاق النار مع إسرائيل كفرصة لإعادة تنظيم صفوفه. ومن الجانب الاسرائيلي، قررت المجموعة عدم التورط مباشرة في الشأن اللبناني، لكنها أكدت أنها لن تسمح بظهور تهديد جديد على حدودها الشمالية، وستواصل استهداف مواقع حزب الله في حال انتهاك وقف إطلاق النار.

كما طرحت معضلة رئيسية لكل من مجموعتي إيران وحزب الله: كيفية إدخال الأموال والموارد إلى لبنان في ظل القيود على المطار والتضييق على التهريب من الحكومة السورية الجديدة. ناقشت مجموعة حزب الله إمكان تغذية التمرد في الساحل السوري لخلق ممر لمرور الأسلحة والإمدادات. ورداً على ذلك، قررت المجموعتان السورية واللبنانية تشكيل قوة مهام مشتركة للحد من الأنشطة عبر الحدود.

برنامج إيران النووي: تفاوض أم مواجهة؟

تحول النقاش لاحقاً إلى موقع إيران الاستراتيجي الأوسع، وعلى الرغم من اعتراف المجموعة الايرانية بضعف موقفها، برز بريق أمل في احتمال توقيع اتفاق نووي جديد مع ترامب.

ناقشت المجموعتان الأميركية والاسرائيلية خيارين: التفاوض مع إيران أو توجيه ضربات استباقية لتدمير قدراتها النووية. واتفق الجانبان على إعطاء الأولوية للديبلوماسية كـ”الخطة أ”، مع اعتماد “الخطة ب” في حال تعثر المفاوضات، والتي تشمل ضربات عسكرية. كما تقرر تنفيذ عمل عسكري إذا رفعت إيران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 90%.

من جانبها، أبدت المجموعة التي تحاكي إيران استعداداً مبدئياً لعقد اتفاق من شأنه تخفيف الضغوط الغربية وتحقيق الاستقرار وتحسين الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي.

ودفعت المجموعة الأميركية نحو اتفاق أوسع يشمل برنامج الصواريخ وأنشطة الوكلاء، لكن إيران رفضت شروطاً أكثر تشدداً من الاتفاق النووي السابق وفضلت بدء الحوار بالملف النووي كأولوية، مع إمكان توسيع نطاق المحادثات لاحقاً. كما طالبت بخطوة أميركية تثبت حسن النية كرفع بعض العقوبات لبناء الثقة، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق خلال إدارة ترامب الأولى، على الرغم من التزام إيران به.

وإلى جانب الملف النووي، ناقشت المجموعتان الأميركية والاسرائيلية احتمال توقيع اتفاق أمني مشترك.

موقف القوى الإقليمية الأخرى

وواجهت المجموعة الروسية معضلة حول تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة أو مواصلة التعاون مع إيران. وخلصت إلى نوع من القبول عن موقعها الحالي وعلاقاتها المتوازنة مع بعض الدول، وبالتالي لا ترغب في اتخاذ خطوات تعرض هذه العلاقات للخطر، خصوصاً في ظل إدارة ترامب.

وأخيراً، عارضت المجموعة التي تحاكي سوريا الوجود الإيراني في البلاد، مع اتفاق الأكثرية على أن إبقاء القوات الايرانية في سوريا لا يصب في مصلحة أحد. أما المجموعة الصينية، فأعادت التأكيد أن أولويتها الاقليمية تكمن في تعزيز العلاقات مع دول الخليج، وأن الشرق الأوسط ليس أولوية قصوى لبكين”.

شارك المقال