الاتفاق النووي: صفقة محكوم عليها بالفشل؟

حسناء بو حرفوش

في ظل التصعيد الاقليمي المستمر والضغوط الدولية المتزايدة، عادت كل من الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات النووية، ولكن هذه المرة تحت عباءة “الحوار غير المباشر”. وبينما توحي الصورة العامة بوجود أفق ديبلوماسي، تكشف تفاصيل المشهد عن مفاوضات هشة محكومة بحسابات سياسية متضاربة وانعدام ثقة متجذر بين الطرفين.

فهل تمثل هذه المحادثات خطوة نحو تسوية حقيقية أم أنها مجرد استعراض تكتيكي لكسب الوقت وتحسين المواقع السياسية؟ قراءة في موقع Modern Diplomacy طرحت دوافع كل طرف وإمكان التوصل إلى اتفاق فعلي في ظل المعادلات الراهنة. وحسب المقال، “على الرغم من أن الحوار يُبيّن ظاهرياً وجود مسار ديبلوماسي، هناك في الحقيقة خلافات جوهرية عميقة تجعل من التوصل إلى اتفاق مستقر أمراً بالغ الصعوبة.

لماذا يتفاوض الطرفان؟

إذا كان كلا الطرفين يتوقع فشل الاتفاق أو على الأقل هشاشته، فلماذا العودة الى التفاوض أصلاً؟ الجواب يرتبط بتكتيكات سياسية أكثر من كونه رغبة حقيقية في الحل. يبدو أن هذه المحادثات تهدف الى تغيير الصورة العامة أو توزيع اللوم، أكثر من كونها محاولة جادة لإنهاء الأزمة.

من الاتفاق النووي إلى مسقط: مسرح مألوف بمخاطر جديدة

وفي الماضي، شكل الاتفاق النووي لعام 2015 إنجازاً ديبلوماسياً كبيراً نجح في تجميد البرنامج النووي الايراني مؤقتاً. لكن انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق في العام 2018 أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، لتبدأ إيران بعدها بتخصيب اليورانيوم بوتيرة متسارعة، وصلت إلى درجة 60٪ بحلول العام 2025، وهي نسبة تقترب من العتبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي.

وفي إطار المفاوضات الحالية في مسقط، يطالب ترامب بتفكيك البرنامج النووي الايراني بالكامل، بينما تصر إيران على حقها السيادي في التخصيب. وهذا ما يجعل المفاوضات أشبه بمسرحية تفاوضية، فالمواقف متناقضة بصورة كاملة.

تفاوض أم استعراض سياسي؟

وأعاد ترامب تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” (بين العقوبات والتهديدات)، لكنه في الوقت نفسه يروّج لهذه المفاوضات كجزء من إرثه السياسي. ومع ذلك، تثير مواقفه غير المتسقة، التي تتأرجح بين التهدئة والتهديد بالحرب، شكوكاً عميقة لدى الايرانيين الذين يفتقرون إلى الثقة بالولايات المتحدة، خصوصاً بعد تجاربهم التاريخية المؤلمة معها.

إيران: المقاومة في ثوب الديبلوماسية

من جانبها، تعتمد إيران نهجاً براغماتياً دينياً بحيث شبّه المرشد الأعلى علي خامنئي المفاوضات باتفاقية السلام المؤقتة التي أبرمها الإمام الحسن، والتي لم تكن استسلاماً بل مناورة استراتيجية. بذلك، ترسل القيادة الايرانية رسائل مزدوجة: أنها منفتحة على التفاوض، لكنها لن تتنازل عن مبادئها أو موقعها الاقليمي. المفاوضات بالنسبة الى طهران ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة للحفاظ على صورة داخلية قوية، سواء فشلت أم نجحت.

انفجار في ميناء الشهيد رجائي: مصادفة أم إشارة؟

ومع بداية الجولة الثالثة من المفاوضات، وقع انفجار هائل في ميناء الشهيد رجائي في إيران. وعلى الرغم من أن الرواية الرسمية تحدثت عن سوء تخزين مواد كيميائية، إلا أن التوقيت أثار الشكوك. في بلد اعتاد الهجمات السرية والتخريب الإلكتروني، نادراً ما تمر “الصدف” من دون تساؤل. وعزز الحادث شعور طهران بالتهديد وأثر على موقفها التفاوضي، خصوصاً لدى التيار المتشدد.

وفي حال وُقّع اتفاق جديد، سيكون ضعيفاً على الأرجح. ذلك أن ترامب لا يثق بالتحالفات الدولية ويعتمد على الأوامر التنفيذية، ما يزيد الاتفاق هشاشة بلا دعم مؤسساتي داخل الولايات المتحدة. كما أن مسألة التفتيش والتحقق تظل نقطة خلاف كبرى، في ظل تقييد إيران وصول المفتشين، وغياب رغبة أميركية في العودة الكاملة إلى آليات الرقابة السابقة.

كما أن الخلاف بين الطرفين أعمق من التفاصيل التقنية. فالولايات المتحدة تريد تغيير سلوك إيران الاقليمي، بينما تسعى إيران إلى الاعتراف بها كقوة إقليمية متساوية. إنه صراع بين رؤيتين مختلفتين للعالم.

استعراض تفاوضي أم خطوة نحو السلام؟

وأخيراً، يبدو أن كلا الطرفين يُجهّز نفسه للفشل أكثر من النجاح. فالعودة إلى المفاوضات لا تعني بالضرورة رغبة حقيقية في الحل، بل قد تكون مناورة سياسية. ترامب يسعى الى بناء صورة قيادية، بينما تسعى إيران الى استعراض “مرونة مدروسة” من دون تغيير جذري في مواقفها. وعلى أي حال، حتى إن تم التوصل الى اتفاق، لن يدوم طويلاً من دون معالجة عميقة للانعدام المتبادل للثقة والتفاوت في القوة.. وبالتالي، لن يعدو الإتفاق كونه أكثر من مجرد هدنة قصيرة، لا اتفاق سلام حقيقي”.

شارك المقال