كشفت معارك الانتخابات البلدية والاختيارية في طرابلس ملامح تهميش للصوت المسيحي فيها، على الرغم من أنها كانت تشكّل النموذج الأفضل للنسيج المتنوع بطوائفه ومذاهبه المتعددة حيث عاش المسيحيون قروناً جنباً الى جنب مع المسلمين وتقاسموا لقمة العيش والتقاليد.
وهذا التهميش يظهر، ويا للأسف في كل موسم انتخابي، ويتحمّل جزء منه المسلمون والجزء الآخر يتحمّله المسيحيون هناك. لا شك في أن الواقع الديموغرافي في طرابلس يفرض نفسه، وإذا نظرنا إلى الأرقام التي زوّدنا بها بعض الفاعليات والأحزاب عن عدد المسيحيين في طرابلس والميناء، ربما تجيب عن بعض الهواجس: فعدد المسيحيين في طرابلس مع القبة أصبح أقل من 30 ألف مواطن وعدد الناخبين المسيحيين حوالي 7 آلاف ناخب، غير أن الذين يقترعون فعلياً لا يتعدون الـ1800 في أحسن الأحوال. أما في الميناء فتراجع عدد المسيحيين أيضاً، فالناخبون لا يتجاوز عددهم الـ14 ألف صوت ويقترع منهم ما لا يتجاوز الـ1500 ناخب.
واللافت أن مسيحيي طرابلس لم يمثّلوا في المجلس البلدي السابق في طرابلس، إلا أنّ وجودهم هناك أكثر متانة وتمثيلاً من ورقة اقتراع ومنصب بلدي، بل هم جزء منها ومن كيانها، 35 كنيسة في طرابلس تمارس شعائرها، وشوارع بأسماء “المطران والراهبات والكنائس ومار مارون والسيدة ومار الياس” تعكس روحية المدينة وانفتاحها.
لكن ما لا يُطمئن أن عنصر الشباب المسيحي يتراجع في طرابلس على نحو دراماتيكي، والباقون يطغى عليهم العجزة والمسنّون من أبناء المدينة الأصليين.
ولا شك في أن الحرب اللبنانية لعبت دورها في رفع منسوب نزوح المسيحيين وبيع الممتلكات والانتقال الى السكن خارج المدينة، وقد شهدت طرابلس وأحياء القبة هذه الطفرة على نحو ملحوظ، وهذا ما يبرز في كل انتخابات، لأن معظم مسيحيي طرابلس أصبح يقيم في بيروت أو جبل لبنان أو قرى الشمال المسيحية، وهذا ما يجده متعباً وعائقاً للتوجّه إلى صناديق الإقتراع والمشاركة في الانتخابات.
أما على صعيد الانتخابات البلدية والاختيارية الحالية، فتسعى الأحزاب المحسوبة على المسيحيين مثل “القوات اللبنانية” و”الكتائب” و”التيار الوطني الحر” و”المردة” الى دعم بعض الشخصيات المسيحية التي تدور في فلكها أو تعتبر ناشطة في المجتمع المدني، لكن تعدد اللوائح البلدية في طرابلس والميناء يُهدّد تمثيل الأقليات المسيحية هناك، وذلك في حال سجّلت المنافسة كثافة سُنّية في الإقبال على صناديق الاقتراع في مقابل تدنّي منسوب مشاركة “الأقليات”.
ويلفت مسؤول حزبي مسيحي في طرابلس إلى أن هناك عدة لوائح في طرابلس هي: لائحة “رؤية طرابلس” برئاسة عبد الحميد كريمة المدعومة من النائبين أشرف ريفي وفيصل كرامي، ولائحة “نسيج طرابلس” المدعومة من النائب ايهاب مطر ويترأسها المهندس وائل زمرلي، ولائحة “طرابلس… عاصمة” برئاسة أحمد الذوق ولائحة “الفيحاء” التي يترأسها سامر دبليز.
لا يبدو أن رعاة هذه اللوائح وداعميها إهتموا كثيراً بالأحزاب المسيحية، بل كانت ثانوية في حساباتهم، على الرغم من أن “القوات” قادرة على استقطاب أكثر من 1200 صوت مسيحي، وبقيّة الأحزاب المسيحية مثل “المردة” و”التيار الوطني الحر” قد تستقطب 800 صوت. ويؤكد المسؤول المسيحي أن “القوات” تدعم في لائحة “رؤية طرابلس” التي يرعاها ريفي، عضوين هما رشيد شبطيني واسبيريدون سميرة.
على خط مواز، قد تشهد معركة الميناء مشاركة مسيحية أكبر عبر لوائح عدة، عُرِفَ منها لائحة “الميناء منارة” برئاسة عبد الله كبارة والتي باتت تُعرَف بـ “لائحة إيلي واكيم” وتضم مرشحين من تيار “المردة” وخصوصاً أن واكيم هو زوج إبنة النائب السابق اسطفان الدويهي، لكن واكيم يبدو أنّه يخوض معركته داخل الطائفة الأرثوذكسية، معتبراً أنّه الأحقّ بمرجعيّة الطائفة إذ يرى أنه قدّم، لعدّة سنوات، خدمات جلّى لأبناء الطائفة والميناء، شملت تركيب شبكة من الطاقة الشمسية وزّعها مجّاناً على البيوت، وحملة تزفيت واسعة للشوارع والحفر في ظلّ غياب البلديّة لانحلال مجلسها، وغياب الدولة للعجز في موازنة وزارة الأشغال العامة. ولكنّ هذا الدور المفترض لرجل الأعمال واكيم قد اصطدم بدايةً بالمرجعية الدينية لطائفة الروم الأرثوذكس، ويُقال إنّ المتروبوليت إفرام كرياكوس وجّه انتقاداً له، معتبراً أنّ إصراره على تشكيل لائحة وتمويلها إنّما يصبّ في إضعاف ثقل الناخبين المسيحيين وتأثيرهم، ما يهدّد بسقوط “السقف على رؤوس الجميع”. ولكنّ واكيم لم يستجب لتمنّي المطرانية، وقدّم صراعه مع بقية رجال الأعمال الأرثوذكس كأولوية على جميع الأمور الأخرى.
أما “القوات” فستدعم في الميناء لائحة يترأسها المهندس فادي السيد وتخوض المعركة معه بواسطة مرشحين هما روبير أيوب وروجيه النيني. فيما يبدو أن حضور “التيار الوطني الحر” خجول في الميناء.
ويختم المسؤول الحزبي المسيحي أن الأحزاب المسيحية في طرابلس تتخوّف من أن يلجأ الناخبون إلى التشطيب وإقصاء المسيحيين عن المجلس البلدي كما حصل سابقاً، والجواب الواضح سيكون يوم الأحد المقبل.


