عون رجل العروبة الأغر!

جورج حايك

لافتة جداً زيارات رئيس الجمهورية جوزاف عون المتتالية إلى دول الخليج العربي، التي بدأها في السعودية مروراً في الإمارات وصولاً إلى الكويت…وحتماً لن تتوقف عند هذا الحدّ.

هذه الزيارات لم تأت من العدم وليست مجرد علاقات ديبلوماسية بين لبنان وهذه الدول الصديقة، إنما تأتي في إطار استراتيجية وضعها عون لإعادة التوازن السياسي الإقليمي للبنان، بعدما دأب “حزب الله” طوال المرحلة السابقة على مهاجمة الدول الخليجية وأنظمتها وخصوصاً السعودية، ولم ينس أحد حتى اليوم كلمات الأمين العام السابق لـ”الحزب” حسن نصرالله الجارحة في حق دول الخليج، ما وضع لبنان في حضن إيران، وقد ساهم رئيس الجمهورية السابق ميشال عون في تكريس هذا الواقع، فإبتعد العرب الخليجيون عن لبنان، وتوقّفت الاستثمارات والرحلات السياسية بعدما منعت السعودية والإمارات وغيرهما رعاياها من زيارة “بلد الأرز” بسبب إنعدام الثقة والتخوّف من أعمال عدائية من “الحزب” المسلّح والمهيمن على القرار السياسي اللبناني.

لكن اليوم، بدأ لبنان “عهداً جديداً” مع عون وحكومة برئاسة نواف سلام، وقد خصّص عون في خطاب القسم فقرة مهمة لتحديد استراتيجيته مع الدول العربية قائلاً:”عهدي أن أقيم أفضل العلاقات مع الدول العربية الشقيقة انطلاقاً من أن لبنان عربي الانتماء والهوية، وأن نبني الشراكات الاستراتيجية مع دول المشرق والخليج العربي وشمال إفريقيا وان نمنع أي تآمر على أنظمتها وسيادتها وأن نمارس سياسة الحياد الإيجابي وأن لا نصدّر لها سوى افضل ما لدينا من منتوجات وصناعات وان نستقطب السيّاح والتلامذة والمستثمرين العرب لنواكب تطورهم ونغنيهم بطاقاتنا البشرية ونبني اقتصادات متكاملة ومتعاونة”.

لذلك ليس مستغرباً هذا الإهتمام الكبير لعون بدول الخليج، علماً أن علاقات لبنان في هذه الدول يُمكن وصفها بالتاريخية، وأهم مرحلة مرّ بها لبنان من ازدهار وبحبوحة، كانت في الخمسينيات والستينيات ومطلع السبعينيات، عندما كانوا يقصدون لبنان بدلاً من اوروبا للإصطياف فيه والإستفادة من مناخه وأجوائه السياحية.

لا شك ان بعض رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا على قصر بعبدا قبل عون، بنوا أفضل العلاقات مع العرب والخليجيين، ولا سيما الرئيس الراحل كميل شمعون الذي وُصِفَ في إحدى المراحل بـ”فتى العروبة الأغر”، والمفارقة أنه وصف في مذكراته علاقته بالدول العربية وردّة فعل المسلمين المرحّبة في لبنان خلال عهده قائلاً:”يوم الإثنين 16 نيسان 1945 تركتُ لندن لأستقلّ الطائرة إلى القاهرة، ومنها إلى اللدّ يوم الثلاثاء، واستقبلني في المطار عدد من وجهاء يافا. زرت النادي العربي حيث ألححت بصراحة على وجوب اتحاد جميع الفلسطينيين واستعدادهم لمقاومة الخطر الصهيوني المتفاقم. وغادرت حيفا وكانت مدينة صور أوّل محطّة وقد اكتست بحلل العيد. توقّف الموكب للردّ على الخطب التي أُلقيت. أمّا في صيدا فقد كان المشهد فريداً: يريد الجميع هنا كما في مصر وفلسطين أن يعربوا عن تقديرهم للجهود التي بذلتُها في سبيل لبنان والبلدان العربية. لم تتأخّر الدامور، ولا الشويفات، ولا الحدث، ولا الشيّاح عن أن تشرّفني بعاطفتها. لكنّ استقبال حيّ البسطة في بيروت فاق كلّ الخيال. كان رياض الصلح وحبيب أبو شهلا والأمير مجيد أرسلان في عداد الذين نظّموا التظاهرة الرائعة”. وأكمل شمعون قائلاً:”يوم السبت 21 نيسان 1945 سافرت إلى دمشق وزرتُ رئيس الوزارة، وأبى رئيس الجمهورية إلا أن يشكرني بحرارة لدفاعي عن المصالح السورية كدفاعي عن المصالح اللبنانية”.

اليوم تبدو حركة الرئيس عون في إتجاه الدول العربية مشابهة لحركة الرئيس شمعون، ويكاد أن يستحق لقب “رجل العروبة الأغر”، وهو يعرف أنه لا إنتعاش مالياً وإقتصادياً في لبنان من دون دعم عربي وخليجي، وهذا أساسي في معادلته السياسية والإقتصادية.

من جهة أخرى، لا يريد عون بعد اليوم أن يكون لبنان تحت سيطرة إيران التي لم تفد لبنان بشيء سوى دفع “حزب الله” إلى شنّ الحروب وجلب الدمار والقتل إلى لبنان، والحرب الأخيرة مع اسرائيل أظهرت ذلك بوضوح.

ولا بد من التذكير بأن عون إنتخب رئيساً بدعم عربي وأميركيّ كبير، لكن هذا لا يعني أن قراره مرتهن، بل هو أبدى استقلالية في قراره، مقاوماً كل الضغوط الأميركية لدفعه إلى نزع سلاح “الحزب”، وترجمت الموفدة الديبلوماسية مورغان اورتاغوس هذا الضغط في الزيارتين السابقتين إلى لبنان، وكان جواب عون “لا أقبل بتحديد وقت ولا بالضغوط”، وبالتالي بدا حواراً مع “الحزب” الذي ارتاح إلى مواقف رئيس الجمهورية، ولا يزال الحوار مستمراً سواء أكان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

لكن دول الخليج كان لها شروطها لتغيير السياسة مع لبنان مواكبة للعهد الجديد، صحيح أنها ساهمت في انتخاب عون، إلا أن عودتها إلى لبنان انتظرت أفعالاً لا أقوال، أهمها تحرير القرار الرسمي اللبناني، وهذا ما انهمك عون منذ بداية عهده على فعله عبر فرض هيبة الدولة في مطار رفيق الحريري الدولي والطرق المؤدية عليه، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب تطبيقاً للقرار 1701، وضع حدّ للخطاب المعادي للخليج وتعكير علاقات لبنان بالدول العربية، ولجم تصريحات السفير الإيراني الوقحة، وإعتماد معادلة “جيش وشعب ودولة” بدلاً من معادلة “جيش وشعب ومقاومة”…

لا شك في أن عون نجح إلى حد كبير في كسب ثقة دول الخليج، وهذا ما كان واضحاً في حفاوة استقباله، وقد جلس إلى جانب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وتكرر المشهد نفسه في أبوظبي مع رئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد. أرسلت هذه اللقاءات رسائل سياسية مبطّنة لكنها واضحة: الدعم الخليجي جاهز، ولكنه مشروط. على رأس هذه الشروط: إنهاء وضع السلاح غير الشرعي وبسط سلطة الدولة في كل المناطق اللبنانية مع حصرية السلاح في يد الجيش اللبناني.

وتشير تسريبات إلى أن دولة خليجية عرضت دعماً لوجستياً ومالياً للجيش اللبناني مقابل فرض سيطرته على الجنوب وتفكيك أنفاق حزب الله – وهي عملية يُقال إنها جارية بالفعل في جنوب الليطاني وبمباركة دولية.

ورغم الايجابية التي تتعاطى فيها دول الخليج مع زيارات الرئيس عون، إلا أنها تتعامل مع لبنان وفق خيار “الديبلوماسية المشروطة”، أي كلّما تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، يزداد الدعم الخليجي، لكن الأمور لم تصل بعد إلى درجة فتح الخزائن العربية لتمويل إعادة الإعمار الذي ينتظر سحب السلاح نهائياً من “الحزب”. ويبدو أن الإختراق الوحيد والأساسي الذي حقّقه عون عبر زياراته إلى السعودية والإمارات والكويت، هو رفع الحظر أمام الزيارات السياحية للخليجيين إلى لبنان بعد غياب طويل، وهذه تسجّل له وخصوصاً أن لبنان مُقبِل إلى موسم صيف سياحي بإمتياز، سيكون واعداً إذا شهد انفتاحاً عربياً، وهذا يتوقّف حتماً على التزام كل من اسرائيل و”الحزب” بإتفاق وقف إطلاق النار!

شارك المقال