انتخابات الجنوب… صناديق متنقلة ومخاوف ثابتة

فاطمة البسام

أيام قليلة تفصلنا عن انطلاق الانتخابات البلدية في جنوب لبنان، التي تأتي هذا العام في ظل تصعيد أمني غير مسبوق، وعلى وقع تحليق مستمر لطائرات الاستطلاع الاسرائيلية فوق القرى الجنوبية منذ أكثر من عام.

على الرغم من التوافق على تزكية بعض اللوائح في عدد من القرى مثل الجبين، الحنية، الزلوطية، الكنيسة وغيرها، إلا أن قرى الشريط الحدودي ستشهد معركة انتخابية حقيقية، على مقربة من مواقع تمركز العدو الاسرائيلي، وفي ظل استهدافات متكررة تطال المنطقة بصورة يومية تقريباً.

وبحسب مصادر حكومية، تلقّت الدولة اللبنانية والجيش نصائح بضرورة نقل جميع مراكز الاقتراع من القرى الحدودية إلى مناطق أكثر أماناً في الخط الخلفي. وجاء ذلك بعد رفض الاحتلال الاسرائيلي إعطاء ضمانات بعدم استهداف الغرف الجاهزة التي خُصّصت كمراكز اقتراع في البلدات المتضررة، قبل أن يتراجع لاحقاً عن أي ضمانات بعدم تنفيذ اعتداءات تتزامن مع التجمعات السكانية.

في ضوء ذلك، باشرت وزارة الداخلية والبلديات باستحداث مراكز اقتراع بديلة في البلدات الأكثر تضرراً في القطاعين الغربي والأوسط، بينما سُمح لبعض القرى الأخرى بالاقتراع ضمن نطاقه ولكن بعيداً عن الواجهات الحدودية.

وقبل أيام، أُبلغت بلديات عدة بقرار نقل المراكز، إذ نُقلت مراكز اقتراع بلدات بليدا، رب ثلاثين، عديسة، ومحيبيب إلى مدينة النبطية، ومراكز مركبا إلى حبوش، ومراكز يارون إلى مهنية بنت جبيل.

وبذلك، تقتصر المعركة الانتخابية في الشريط الحدودي حالياً على بلدات رميش، عين إبل، عيترون، ميس الجبل، كفرشوبا وشبعا. وبرّرت المصادر قرار نقل المراكز إلى الخطوط الخلفية بمخاوف أعرب عنها الموظفون والأساتذة، الذين يُفترض أن يبقوا في هذه القرى حتى ساعات متأخرة من الليل.

“نخشى القذائف أكثر من الطوابير

تقول أم حسن، وهي معلمة تقيم في إحدى قرى قضاء مرجعيون: “لا نعارض المشاركة في الانتخابات، لكننا نخشى أن يتحوّل يوم الاقتراع إلى مأساة. نحن نعيش يومياً تحت الطائرات والقصف، فكيف نأمن على أنفسنا في أماكن مكتظة بالناس؟”.

أما حسين ن.، وهو أحد أبناء بلدة ميس الجبل، فيرى أن قرار نقل المراكز ضروري لكنه مجحف بحق من لا يستطيع التنقل لمسافات بعيدة: “ليس كل الناس لديهم وسائل نقل، وبعضهم كبار في السن أو من ذوي الاحتياجات. نريد أن نُدلي بأصواتنا، لكن من دون أن ندفع الثمن من سلامتنا أو تعبنا”.

في ظل هذه الظروف المعقّدة، تُطرح تساؤلات جدّية حول قدرة الدولة على تنظيم هذا الاستحقاق بأمان، وضمان مشاركة أهلية عادلة لا تُقصي من لا يستطيعون الوصول إلى مراكز الاقتراع الجديدة.

القرار ليس سياسياً بل أمني

ويوضح أحد رؤساء البلديات المعنيين بالقرار – فضّل عدم ذكر اسمه – أن البلديات لم تكن طرفاً في اتخاذ القرار، بل تلقّت التبليغات من وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجيش. ويقول: “نحن كبلديات كنا نُفضّل بقاء المراكز داخل البلدات، لكننا نتفهّم حساسية المرحلة. القرار ليس سياسياً، بل أمني بحت، وهو يهدف إلى حماية المواطنين والعاملين في الانتخابات”.

ويضيف: “نحن نحاول قدر الإمكان تأمين وسائل نقل لمن لا يستطيعون الانتقال بأنفسهم، بالتعاون مع الأهالي والهيئات المحلية، حتى لا يُحرم أحد من حقه في التصويت”.

البيوت الجاهزة بدل المدارس.. والخوف باقٍ

معظم مراكز الاقتراع هذا العام سيُقام في بيوت جاهزة تم استقدامها كحل مؤقت بعد تدمير المدارس أو استهدافها في الأشهر الماضية. هذه البيوت، على الرغم من وظيفتها التنظيمية، تبقى رمزاً هشاً للواقع الأمني الهشّ. فهل سيجرؤ الناس على ارتيادها في ظل استمرار التهديدات؟ وهل يمكن لصوت الناخب أن يعلو فوق صوت الطائرات والقلق والخوف؟

يبقى المشهد الجنوبي مفتوحاً على كل الاحتمالات، بحيث يتقاطع الحق الديموقراطي مع الخطر الوجودي، وتُخاض الانتخابات ليس بلوائح المرشحين وحسب، بل أيضاً بشجاعة الناخبين.

شارك المقال