آن الأوان لإنهاء حرب غزة!

جورج حايك

تكاثرت المؤشّرات التي تُظهر الاقتراب من انتهاء حرب غزة والمواجهات الدامية بين إسرائيل وحركة “حماس”، ولعل أبرز هذه المؤشّرات هو أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يفعل كل شيء للتخلّص من الحروب في مختلف أنحاء العالم، وربما أكثرها مأساوية حرب غزة.

وقد أثبتت الأيام والتجارب أن خطط ترامب، عندما تكون في موضع التنفيذ، لا تأخذ في الاعتبار الحلفاء أو الأصدقاء أو أي علاقات أخرى، فهو يملك هدفاً واحداً: “أميركا أولاً”، ثم التوصّل إلى حالة من الاستقرار في العالم لحماية المصالح الأميركية الأمنية والاقتصادية والتجارية.

هذه هي عقلية ترامب، ويبدو أن هذه العقلية تُحبط رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو مؤخراً، لأن مصالح ترامب تقتضي اليوم إنهاء الحرب، فيما لا يزال نتنياهو يراهن على القوة العسكرية والضغط ميدانياً على “حماس” للاستسلام والإفراج عن الرهائن.

وما تعيشه غزة في هذه الأثناء هو سباق بين الحل العسكري الذي يقوده نتنياهو، ويهدف إلى إنهاء “حماس” ونقل الفلسطينيين من غزة، والحل السياسي الذي يقوده ترامب، ويقضي بالتوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق عدد من الرهائن.

بالطبع، إسرائيل ليست معجبة بما يقوم به ترامب إقليمياً في الأسابيع الأخيرة، ويكشف نائب أميركي سابق من أصل لبناني أن إسرائيل لم تكن تتوقّع أن يتجاهلها ترامب ويضغط عليها بهذا الشكل خلال زيارته الأخيرة إلى الشرق الأوسط، إذ بدا غير مبالٍ على نحو ملحوظ بما تقوله إسرائيل عن سياسته الخارجية، وقد بعث لها برسالة من خلال جولته الخليجية الأخيرة مفادها: “لديّ خطط للمنطقة، أهلاً بك أن تكوني شريكة، ولكن إذا كنتِ تفضلين أن نتجاهلك، فامضِ قدماً”.

واللافت أن أسلوب ترامب في إدارة الأزمات في الشرق الأوسط يبدو مختلفاً عن أسلوب نتنياهو، إذ تفاوض مراراً وتكراراً بصورة مباشرة مع خصوم إسرائيل الرئيسيين، مستبعداً إياها تماماً. ففي أوائل آذار الفائت، تفاوض مبعوث ترامب للشؤون الخارجية، ستيف ويتكوف، مع “حماس” بشأن إطلاق سراح الرهائن الأميركيين، من دون التنسيق مع إسرائيل، متجاوزاً بذلك سابقة راسخة تتمثل في امتناع الولايات المتحدة عن إجراء محادثات مباشرة مع جماعات مصنّفة إرهابية. وقد وافقت “حماس” على إطلاق سراح آخر الرهائن الأميركيين الناجين، إيدان ألكسندر.

ويؤكّد النائب الأميركي السابق أن هذه لم تكن المفاجأة الوحيدة التي تلقاها نتنياهو مؤخراً. فخلال اجتماع في المكتب البيضاوي مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الشهر الفائت، أقدم ترامب على إعلان مفاجئ بإرسال ويتكوف ومفاوضين آخرين لبدء محادثات مباشرة مع إيران بشأن برنامجها النووي، فيما كان نتنياهو يسعى إلى إقناع ترامب بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الايرانية. لكنه فهم أن ترامب يوافق على احتفاظ إيران بنوع من البرنامج النووي المدني، ما يعني عملياً العودة إلى إطار مشابه لذلك الذي مزّقه ترامب عام 2018!

وفي حين رحّبت إسرائيل بقرار ترامب تصعيد الحملة الجوية الأميركية ضد الحوثيين، الذين يطلقون الصواريخ والطائرات المسيّرة على تل أبيب، أعلن ترامب فجأة عن وقف القصف بعدما تلقى تأكيدات من الحوثيين بأنهم سيمتنعون عن مهاجمة السفن الأميركية. وما أدهش إسرائيل أن ترامب لم يأتِ على ذكرها، على الرغم من أن الحوثيين هاجموا مطار تل أبيب، وترك لها حرية التعامل معهم بمفردها.

ويرى النائب الأميركي من أصل لبناني أن كل ما يحصل يُثبت أن ترامب لا يضع خطوطاً حمراً، وهو مستعد لفعل كل شيء من أجل تبريد النقاط الساخنة، ومن بينها غزة. بدليل أن إدارته أجرت في شهر واحد محادثات مباشرة مع ثلاثة من خصوم إسرائيل الرئيسيين – “حماس”، إيران والحوثيين – لإبرام صفقات من دون مساهمة إسرائيلية، وهو وضع يكاد يكون غير مسبوق في العلاقات بين الدولتين الحليفتين.

لا شك في أن ترامب يشعر بالإحباط من سياسة نتنياهو، فهو يتحسس من الحلفاء الذين يأخذون من واشنطن أكثر مما يعطونها. حتى أنه خلال اجتماعه في المكتب البيضاوي مع نتنياهو، تجاهل اقتراحاً برفع الرسوم الجمركية عن إسرائيل!

أما المستجد في أجندة ترامب، فهو العلاقة مع دول الخليج، وخصوصاً السعودية. إذ اعتاد الرئيس الأميركي عندما يجلس مع القادة الخليجيين أن يأخذ ولا يعطي، وفق النائب الأميركي السابق. لكن هذه المرة، كان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أكثر جرأة، إذ سمع منه ترامب طلبات مهمة، كان أهمها رفع العقوبات عن سوريا من جهة، وضرورة إنهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني من جهة أخرى، لأنه يعتقد أن ما يحدث في غزة لا يبقى في غزة، بل يزعزع استقرار المنطقة، وهذا ضار بالأعمال التجارية.

وقد شعر الاسرائيليون بأن ترامب مهتم في هذه الأيام بما يسميه “عجائب الرياض وأبو ظبي البراقة” أكثر من اهتمامه بشوارع القدس المتعرجة. حتى أنه تخلّى في الوقت الحاضر عن شرط المطالبة بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل مقابل التعاون مع السعودية في برنامجها النووي المدني، وهذا تطور مهم جداً.

ولا شك في أن ما يحصل في غزة حالياً هو آخر فصول المعركة التي اقتربت من الحسم، إما سياسياً أو عسكرياً، وبرعاية ترامب نفسه. ويلفت النائب الأميركي السابق إلى أن الرئيس الأميركي يعتبر أن نقل المدنيين من غزة كان خطته أصلاً، وما تفعله إسرائيل حالياً هو “تصعيد مكثف” لعملياتها العسكرية في غزة، يشمل تدمير معظم المباني المتبقية في القطاع، وسيمنح المدنيين خياراً بين الانتقال إلى “منطقة إنسانية” صغيرة أو المغادرة – مع أنه ليس من الواضح ما هي الدول التي ستكون على استعداد لقبولهم في حال فعلوا ذلك.

ويُروّج الإعلام الأميركي بأن مغادرة الفلسطينيين ستكون مؤقتة وطوعية لإفساح المجال أمام إعادة إعمار قطاع غزة، وليس مستبعداً أن يكون نتنياهو قد حصل على الضوء الأخضر من إدارة ترامب لحسم الأمور بسرعة، في ظل العناد الذي تمارسه “حماس”. لكن هذا الأمر سيتزامن مع تكثيف الضغوط الديبلوماسية للتوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنهاء مسألة الرهائن، والبحث في استسلام “حماس” أو خروجها من غزة.

صحيح أن الآلة العسكرية الاسرائيلية لم تهدأ في غزة، لكن الضغوط الأميركية الشديدة لا تتوقف على إسرائيل، إلى درجة أن المبعوث الأميركي ويتكوف طلب تسريب انتقاداته للحكومة الاسرائيلية للقبول بوقف إطلاق النار وتبادل الرهائن والأسرى، والأهم السماح بدخول المساعدات لمنع المجاعة وكارثة إنسانية.

ويعترف الكثير من القنوات الأميركية، خلف الكواليس، بأن هناك محادثات حول اقتراح ويتكوف بين إسرائيل و”حماس” تجري في مكان آخر موازٍ للدوحة، يُسهّلها رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي بشارة بحبح. وكانت هذه القناة الخلفية التفاوضية بين الأميركيين و”حماس” حاسمة في تأمين إطلاق سراح الرهينة الاسرائيلي الأميركي عيدان ألكسندر.

والجدير بالذكر أن عرض ويتكوف المحدّث يتضمن إطلاق سراح 10 رهائن مقابل وقف إطلاق نار لمدة 45 إلى 60 يوماً، وإطلاق سراح سجناء فلسطينيين، ويختلف عن المقترحات السابقة بلغة جديدة توضح أن وقف إطلاق النار الجديد واتفاق الرهائن سيكونان بداية لخطوة أوسع نطاقاً قد تُنهي الحرب.

وتهدف اللغة الجديدة إلى منح “حماس” ضمانات بأن نتنياهو لن يكون قادراً على اتخاذ قرار أحادي بإنهاء وقف إطلاق النار واستئناف الحرب، كما فعل في آذار الفائت. ويبدو أن “حماس” تريد الحصول على ضمانات أكثر وضوحاً في هذا الصدد.

قد يكون استهداف إسرائيل لقائد الجناح العسكري لـ”حماس”، محمد السنوار، أدى إلى تأخير الجهود الديبلوماسية، وخصوصاً أن قادة كباراً في “حماس” قُتلوا في هذه الغارة. وما هو واضح الآن أن إسرائيل تراجعت أمام الضغوط الأميركية، وسُمح بدخول المساعدات الإنسانية، لأن الظروف على الأرض خطيرة.

ما بعد زيارة ترامب إلى الخليج ليس كما قبلها، لأن الضغط الخليجي لإنهاء حرب غزة بلغ ذروته، وما يدعو إلى التفاؤل هو اقتناع ترامب بهذا الأمر، وتقاطع مصالحه مع مصالح الخليجيين عموماً، والسعودية خصوصاً. وليس من قبيل الصدفة أن يُدلي ترامب بتعليقه حول معاناة الناس من الجوع في غزة أثناء وجوده في الامارات، ولم يكن من قبيل الصدفة أيضاً أن تُجدّد إسرائيل المساعدات بعد ثلاثة أيام فقط من ذلك. علماً أن “حماس”، مثل الحوثيين، ليست جهة رسمية، إنما تنظيم مسلح، ومعاناة شعبها لا تؤخذ في الاعتبار، لذلك أثبتت سياسة نتنياهو في تجويع الفلسطينيين فشلها.

ويشير النائب الأميركي السابق إلى أن لدى ترامب جواباً في مجالسه مع حكّام الخليج والأوروبيين المتأثرين بالمشهد الإنساني هناك: “إذا كان العالم مهتماً حقاً بتخفيف معاناة غزة، فعليه أن يتحد في مطالبة حماس بإنهاء احتجاز الرهائن واستخدام المدنيين كدروع بشرية. حينها فقط يمكن أن يأتي الفرج الحقيقي لغزة”.

شارك المقال