بين الغارات الاسرائيلية التي لا تهدأ، والاستعدادات الجارية لخوض الانتخابات البلدية والاختيارية، يقف الجنوب اللبناني اليوم أمام معادلة صعبة: كيف تمارس ديموقراطية محلية تحت خطر الاستهداف؟ وكيف توازن البلدات بين ضرورات الأمن وحقّ المشاركة؟
غارات على قرى الجنوب.. واستهداف ممنهج
شهدت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع خلال اليومين الماضيين تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً خطيراً، بحيث استهدفت الغارات بلدات: تول، زوطر، كفررمان، كفرحمام، صور، جباع، النبطية الفوقا، عدلون، الخرايب، السكسكية، الشرقية، جبشيت، حبوش، عدشيت، دير قانون النهر، قانا، الطيبة، مرجعيون، بدياس، شحور، والمساكن الشعبية قرب صور، إلى جانب بلدات بقاعية أخرى، ما أدّى إلى سقوط ضحايا وجرحى وووقوع أضرار جسيمة في البنى التحتية والمنازل.
وعلى الرغم من التصعيد، قررت وزارة الداخلية والبلديات المضي قدماً في تنفيذ المرحلة الرابعة من الانتخابات البلدية والاختيارية المقررة غداً السبت في 24 أيار الجاري، والتي تشمل محافظتي الجنوب والنبطية. المفارقة أن هذه الانتخابات تأتي فيما يعيش العديد من هذه البلدات تحت وقع القصف اليومي، وبعضها شهد سقوط ضحايا خلال الأسابيع الأخيرة.
109 قرية بالتزكية.. والبقية تقاوم بالانتخاب
حتى اليوم، فازت نحو 109 قرية جنوبية بالتزكية من أصل حوالي 248، وذلك نتيجة توافقات محلية، وتفادياً لتجمّعات انتخابية قد تعرّض المواطنين للخطر أو نتيجة الواقع الأمني المعقّد. ومع ذلك، لم تغب المعارك الانتخابية عن عدد من البلدات الأساسية التي اختارت خوض التجربة الديموقراطية على الرغم من كل شيء، ومنها: العباسية، معروب، عدلون، صور، جزين، صيدا، النبطية الفوقا وغيرها من القرى الواقعة فعلياً على خط النار.
الأهالي: “ننتخب لنؤكد أننا باقون”
تقول سمر، من بلدة العباسية: “نحن نعيش العدوان يومياً، لكن لن ندع الخوف يمنعنا من ممارسة حقنا. صوتنا هو استمرارنا”.
أما حسن من صور، فيعتبر أن “الانتخابات هي أبلغ رد على الاحتلال. أن نبقى وننتخب يعني أن لا شيء يمكنه إسكات صوتنا”.
وتؤكد منى من صيدا، أن “الدمار في الجنوب كبير، لكن التغيير يبدأ من صناديق الاقتراع، وليس من الخوف”.
اللوائح الانتخابية.. تنافس رغم الركام
تشهد البلدات التي ستخوض الانتخابات تنافساً بين لوائح مدعومة من القوى السياسية التقليدية وأخرى مستقلة أو تغييرية.
في العباسية، تتنافس لائحة “الوفاء والتنمية” مع لائحة “العباسية أولاً”.
في معروب، تبرز لائحة “معروب الوفاء” بمواجهة “معروب التغيير”.
أما في صور، فتواجه “صور الأمل” (مدعومة من “أمل”) منافسة من “صور المستقبل” و”صور تنتفض”.
وفي جزين، يتواجه “التيار الوطني الحر” مع “القوات اللبنانية” في مشهد انتخابي تقليدي بامتياز، فيما النبطية الفوقا تشهد دخول لوائح شبابية تحاول كسر الاصطفافات.
وتتميّز هذه الدورة بارتفاع لافت في عدد المرشحات النساء، وخصوصاً في البلدات الجنوبية. نساء خضن تجارب الحرب، والنزوح، والصمود، يترشحن اليوم على لوائح محلية إما مستقلة أو ضمن تحالفات.
وتقول نادين، مرشحة في معروب: “خضت التجربة بدافع الإيمان بالتغيير. الحرب أخذت الكثير من طفولتنا، لكن المستقبل لنا، وسنصنعه بالصندوق”.
في مشهدٍ استثنائي، يصوّت اللبنانيون في الجنوب على ركام منازلهم، وتحت هدير الطائرات. الانتخابات البلدية هذه السنة ليست مجرد استحقاق إداري، بل فعل صمود مدني، وتأكيد جماعي أن القرار ما زال في يد الناس، لا في يد القذيفة.


