في قلب قلعة حلب العتيقة، وعلى أنقاض سنوات من الحصار والخراب، وقف الرئيس السوري أحمد الشرع ليعلن من جديد ما أسماه “الانتصار التاريخي” و”العودة إلى قلب سوريا”. كانت المناسبة رسمية واحتفالية في آن، تحت عنوان “مفتاح النصر”، حيث كُرّم المقاتلون الذين شاركوا في تحرير حلب، وعلى رأسهم مقاتلو “العصائب الحمراء” – التشكيل العسكري الذي تحول في الأشهر الأخيرة إلى أسطورة شعبية ورمز لما تسميه الحكومة الجديدة بـ”التحرير الوطني الكامل”. الزيارة هي الثانية للشرع إلى حلب كرئيس للجمهورية، والثالثة بعد استعادة السيطرة عليها أواخر عام 2024، لكنها تبدو الأكثر أهمية حتى الآن. فمن فوق أسوار القلعة التي صمدت لقرون، أراد الشرع أن يطلق إشارة البدء بمعركة جديدة: معركة إعادة الإعمار.
“ها نحن نفي بالوعد، عدنا إليكم نبشركم، ونقول ستكون حلب أعظم منارة اقتصادية، ومن قلب حلب أعلن للعالم: لقد انتهت حربنا مع الطغاة، وبدأت معركتنا ضد الفقر”، قال الشرع مخاطباً الحشود.

المعركة إلى المعبر “العمود الاقتصادي الوطني”
الاحتفالية حملت دلالات رمزية وسياسية مكثفة، نظراً الى الخلفيات التي سبقتها. تعود العملية العسكرية الأهم إلى تشرين الثاني 2024، أياماً قبل انطلاق “معركة ردع العدوان – تحرير سوريا”، عندما توغلت مجموعة من “العصائب الحمراء” إلى نقاط خلفية تابعة للحرس الثوري الايراني وقوات النظام البائد، عبر تنسيق لافت مع مجموعات عسكرية من عشيرة البكارة في ريف حلب. العملية فاجأت الجميع، وأدت إلى حالة من الانهيار والفرار الجماعي لقوات النظام البائد، في لحظة وُصفت داخلياً بأنها “نقطة اللاعودة”. يقول أحد القادة الميدانيين الذين حضروا الحفل لموقع “لبنان الكبير”: “كانت لحظة فارقة، لأننا لم ننتصر عسكرياً فقط، بل كشفنا عن هشاشة النظام وتحالفاته الأجنبية في الداخل”.
قبل اندلاع الثورة في 2011، كانت حلب تشكل ما لا يقل عن 35% من الناتج الصناعي السوري. كانت الشيخ نجار، المنطقة الصناعية الأكبر، تَضُجّ بالحياة والمعامل. منسوجات، أدوية، منتجات غذائية، وصناعات خفيفة وثقيلة، كلها صدّرتها حلب إلى الأسواق الاقليمية والدولية. وكانت المدينة، بجغرافيتها الحيوية، عقدة وصل حقيقية على طريق الحرير الجديد، وتشكّل ممرّاً استراتيجياً للبضائع بين آسيا الوسطى، تركيا، والعراق، وصولاً إلى موانئ المتوسط. المدينة أيضاً كانت متقدّمة في ملف استقطاب الاستثمار المحلي، مع وجود نخبة من رجال الأعمال الحلبيين لعبوا دوراً رئيسياً في الربط بين السوق السوري والأسواق الخليجية والآسيوية.
عقدة اقتصادية إقليمية بين إرث الصناعات وحدود الإعمار
بعيداً عن صخب السياسة، تتبلور اليوم ملامح رهان اقتصادي كبير في مدينة حلب. فالمدينة التي كانت تشكّل قبل عام 2011 العمود الفقري للصناعة السورية، بنسبة قاربت 35% من الناتج الصناعي الوطني، بدأت تستعيد تدريجياً موقعها المحوري. وعلى الرغم من الدمار الواسع الذي طال بنيتها التحتية، فإن مؤشرات التحول واضحة: إعادة تأهيل المصانع في منطقة الشيخ نجار الصناعية، إطلاق مشاريع لمناطق تجارة حرة على أطراف المدينة، وربطها بممرات تجارية تمتد نحو العراق وتركيا والأردن.
في هذا الإطار، موقع حلب الجغرافي يمنحها امتيازاً تنافسياً في صياغة دور اقتصادي جديد لسوريا ما بعد الثورة، خصوصاً في ظل انتهاء النفوذ الايراني وانكفاء المشاريع المرتبطة به. واليوم يمكن القول إنه تم فكّ ارتباط الممر البري الايراني – المتوسطي، ويجري العمل على استبداله بشبكة إقليمية تربط الخليج وآسيا الوسطى بموانئ المتوسط عبر حلب.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور نمير محمد، في تصريح لموقع “لبنان الكبير”: “حلب ليست مركزاً صناعياً وحسب، بل هي نقطة وصل نادرة بين الاقتصاد التركي، والعراقي، والآسيوي، ولا يمكن تصور تعافٍ سوري حقيقي من دون أن تكون حلب في صلبه.”
وتابع محمد: غير أن حجم التحديات يبقى هائلاً. فوفق تقديرات دولية، كلفة إعادة إعمار البنية التحتية في المدينة قد تتجاوز 10 مليارات دولار، في وقت لا تزال فيه البيئة الاستثمارية تواجه مخاطر أمنية، وتحتاج إلى مظلة قانونية وسياسية موثوقة.
وختم محمد: مع ذلك فإن المؤشرات الأولية تُظهر بوادر حركة اقتصادية متصاعدة، خصوصاً من رجال أعمال حلبيين عادوا تدريجياً إلى تشغيل خطوط إنتاج صغيرة، في محاولة لاستعادة التوازن بين إرث المدينة الصناعي، والفرص المتاحة في واقع ما بعد الثورة.
رهانات اقتصادية وتحديات في زمن الانتقال
من قلب الدمار، يحاول الرئيس الشرع أن يعيد توجيه البوصلة نحو المستقبل. “من يريد أن يفهم سوريا الغد، فلينظر إلى حلب اليوم”، كما صرح أحد مستشاريه الاقتصاديين في جلسة مغلقة الأسبوع الماضي. الخطة المعلنة تهدف إلى:
– إعادة تأهيل البنية التحتية الصناعية، ولا سيما في الشيخ نجار، بدعم من صناديق تنمية آسيوية وخليجية.
– خلق مناطق تجارية حرة على أطراف المدينة، لربطها بمشروع الطريق البري الواصل من إيران إلى البحر المتوسط، والذي تتطلع السلطات الجديدة إلى “فك ارتباطه” عن النفوذ الايراني السابق، واستبداله بشبكات إقليمية جديدة.
– تشجيع عودة رأس المال الحلبي من الخارج، عبر حوافز ضريبية، وضمانات قانونية للاستثمار.
– تحويل المدينة إلى عقدة ترانزيت إقليمية، بربطها مجدداً بالطرق البرية الدولية نحو تركيا والعراق والأردن.
لكن واقع ما بعد الثورة لا يمكن التهوين من صعوبته. فحلب، على الرغم من استقرارها النسبي، ما تزال تعاني من دمار واسع، وانقطاع طويل في سلاسل الإنتاج. التقديرات الدولية تشير إلى حاجة تتجاوز 10 مليارات دولار لإعادة تأهيل المدينة، وهي أرقام تتجاوز قدرة الحكومة الجديدة، ما لم تحصل على دعم دولي واسع النطاق. كما أن البيئة الأمنية لا تزال هشة في أطراف المحافظة، مع بقايا خلايا نائمة، ومخاطر عودة التوترات العشائرية أو التداخلات الاقليمية.
إلا أن الصورة الكبرى تشير إلى عودة حلب كمركز ثقل سياسي واقتصادي في سوريا الجديدة. وكما كانت عبر التاريخ، من الامبراطورية العثمانية إلى الانتداب الفرنسي، بوابة الشام نحو أوروبا وآسيا، فإن حلب مرشحة اليوم لتكون المنصة التي تُعاد منها صياغة الاقتصاد السوري. كما قال الرئيس الشرع في خطابه: “ما من فتح أعظم من حلب، وما من نصر يعدلها”.



يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.