في الانتخابات… “الفراغ” هو الرابح الأكبر!

ياسين شبلي

إنتهت الانتخابات البلدية والاختيارية من دون تغييرات تذكر في المشهد “السياسي” اللبناني، على الرغم من “تعفف” غالبية الأطراف عن إعتبار المعركة سياسية وتلطيها وراء شعارات “العائلات والإنماء” وهي شعارات تدخل هنا في باب “عدة النصب” السياسي، والدليل أن الاحتفالات كانت تعم المراكز الحزبية والساحات عند تحقيق أي طرف نصراً كبيراً على خصمه، بينما كانت الأصوات تختفي لدى التعادل أو الخسارة بحجة أن المعركة ليست سياسية، وأن لا علاقة لها وليست تمهيداً للانتخابات النيابية المقبلة بعد حوالي العام من اليوم، وهو كلام قد يصلح للإستهلاك الحزبي ربما أكثر منه حقيقة واقعة مع أن فيه النزر اليسير اليسير من الصحة بشكل لا يغيّر من الواقع السياسي شيئاً.

الواقع وبنظرة عامة على نتائج الانتخابات يُظهر أن “الفراغ” الذي كان قائماً قبلها هو الرابح الأكبر، بمعنى أن الأحزاب والقوى المختلفة من موالية و”معارضات” سيادية وتغييرية، التي أُجبرت عبر الضغط الخارجي على إنهاء الفراغ في سدة الرئاسة الأولى كما في السلطة التنفيذية، قد فشلت في “التحدي الأكبر” لهذا الاستحقاق – من وجهة نظري الشخصية – وهو سد الفراغ الشعبي – إذا صح التعبير – وذلك عبر فشلها في إقناع الناخب اللبناني بالنزول إلى الساحة والتعبير عن رأيه، وما ذلك إلا لأن الإحباط قد تمكن منه على طريقة “فالج لا تعالج”، خصوصاً عندما يرى التحالفات الهجينة واللامعقولة واللامنطقية بين الأطراف المتخاصمة حد العداء، والتي يغلفونها كعادتهم بأغلفة المصلحة العامة تارة، و”الشراكة والمناصفة” تارة أخرى، وهي باتت الاسم الكودي للمحاصصة السلبية التي جرَّت على البلد ولا تزال كل ما يعاني منه اليوم من إنهيار، بعد أن مسخوها وأفرغوها من معناها الوطني والانساني الحقيقي الذي وضع لبنته وكرَّسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فحوّلوها كعادة كل شيء في البلد “كلام حق يراد به باطل”، والباطل هنا هو التسلط والتحكم بمصير الناس وحرب “الزواريب الحزبية” بحسب أهواء كل طرف، وخصوصاً في بيروت العاصمة بما هي صورة مصغرة عن الوطن، حيث يتسابق المتسابقون كي يفوزوا بما يعتقدون أنه “وراثة” لتيار “المستقبل” المستنكف عن المشاركة مؤقتاً، الأمر الذي كشف أحجامهم الحقيقية وتركهم عراة سياسياً أمام الناس، وذلك بسبب من التحالفات المصلحية التي حاولوا التلطي وراءها لإخفاء هشاشة مواقفهم ومواقعهم الحقيقية.

المضحك المبكي في الموضوع أن هذه الانتخابات بتحالفاتها في بيروت، قد أعطت “حزب الله” – من حيث يدري الآخرون أم لا – اليد الطولى في الاستحقاق من حيث قوة تجييره للأصوات بخلاف بقية الفرقاء، بحيث بدا وكأنه حامي المناصفة وضامنها حد تشبيه البعض له بالرئيس الشهيد رفيق الحريري – يا للمفارقة التعيسة – كما خلعت عنه وعن حليفه حركة “أمل” صفة “الثنائي الشيعي” ليحل مكانها صفة “الثنائي الوطني” وعلى لسان الرئيس نبيه بري نفسه، في حين “بلع” السياديون ألسنتهم بإسم هذه المناصفة التي أنكروا فضلها في حضرة الأصيل حين تكابروا وتآمروا عليه، وصفقوا لها في حضرة “الوكيل” شاكرين له ممتنين.

هكذا وبهذه الذهنية، ذهنية المصالح الحزبية والطائفية الضيقة غير المشروعة دستورياً وأخلاقياً، وليست المصلحة الوطنية التي تتبنى هموم الناس العاديين المشروعة، بدا وكأن هذه الأطراف تنافس نفسها في أكثرية المناطق، وتمرِّر لبعضها في مناطق أخرى سواء عبر تحالفات هجينة أو تنافس في أضيق الحدود وبأقل قدر ممكن من الخسائر، لتأتي النتائج كما جاءت، صورة طبق الأصل عن سابقاتها – والدليل أن الاستقالات قد بدأت في بعض البلديات قبل تسلم مسؤولياته – بطريقة تذكرنا بإنتخابات حزب البعث البائد التي كانت تخرج بـ 99 بالمئة من الأصوات المقترعة، التي لم تكن تزيد في الحقيقة عن 20 أو 25 بالمئة على الأكثر من أصوات الناخبين الحقيقيين الذين إستنكفوا عن التصويت قرفاً ويأساً ولامبالاة، ومع ذلك يخرج “المنتصرون” رافعين راياتهم بوجه بعضهم البعض في مسرحية سمجة كتبوا نَصَها سوية، باحثين عن أي سور لـ “يشكُّونها” عليه، طلباً لهتافات جمهورهم المغيَّب في دهاليز الحزبية المقيتة والطائفية الفاقعة تحت شعارات قميئة وكاذبة عن الإصلاح والسيادة والتغيير، ناسين أو متناسين أن لا إصلاح من دون إصلاحيين، كما لا سيادة من دون سياديين ولا تغيير من دون تغييريين .

وهكذا وفي إنتظار “غودو الإصلاح والسيادة والتغيير” في لبنان، تبقى الصرخة عالية مدوية أن بئس هكذا إصلاح، وبئس هكذا سيادة، وبئس هكذا تغيير.

شارك المقال