في لحظة فارقة من عمر الجمهورية، اختار الرئيس العماد جوزاف عون أن يفتتح عهده من قلب المعركة لا من هوامشها، واضعاً ملف السلاح على طاولة القرار السياسي كأولوية لا يمكن تأجيلها أو تدويرها بعد اليوم. قالها بصراحة لا لبس فيها: عام 2025 هو عام حصر السلاح بيد الدولة. لكنه لم يطرح هذا الشعار كموقف إعلامي أو كبطاقة تفاوض، بل كبداية لمسار تنفيذي تدريجي ومدروس، يقوده من موقع العارف ببنية الدولة، لا من موقع الباحث عن شعبوية أو مجد عابر. عون، القادم من عمق المؤسسة العسكرية، يدرك أن قضية السلاح تتجاوز “حزب الله” إلى سلاح العشائر، والمخيمات، والتهريب، والساحات المفتوحة على الفوضى، ولذلك جاءت خطته شاملة تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عند البقاع أو المخيمات، وتسير على أكثر من خط ميداني وتشريعي وسياسي. في الجنوب، أقدمت قيادة الجيش بإشراف مباشر من الرئاسة على تنفيذ ما عجزت عنه حكومات متعاقبة، ففككت أكثر من تسعين بالمئة من المواقع العسكرية غير الشرعية لـ “حزب الله” جنوب الليطاني، بالتنسيق مع “اليونيفيل”، ورفعت تقارير موثّقة إلى الأمم المتحدة عن التقدّم المحرز، في تطبيق فعلي للقرار 1701. وفي البقاع، انطلقت عمليات أمنية نوعية استهدفت شبكات التهريب ومعابر السلاح، وأُرفقت بخطة لإغلاق عشرات النقاط الحدودية غير النظامية، فيما خضع بعض المخيمات لمراقبة أمنية بالتنسيق مع قواه الرسمية، في خطوة لم تكن مطروحة بجدية منذ سنوات.
لكن البُعد السياسي للخطة لا يقل أهمية. فلقاء وفد “حزب الله” مع الرئيس في قصر بعبدا شكّل لحظة مفصلية، حيث أبدى الحزب ارتياحاً علنياً للمقاربة الرئاسية واصفاً إياها بالهادئة والمتزنة، ما فُهم أنه بداية قبول بمناقشة صيغ تُعيد تنظيم العلاقة بين المقاومة والدولة، خارج منطق التخوين أو الإلغاء. في موازاة ذلك، قدّم رئيس الحكومة نواف سلام دعماً واضحاً لهذا المسار من دبي، حيث أعلن في قمة الإعلام العربي أن لا بناء لدولة فعلية ما دام القرار العسكري خارج المؤسسات الشرعية، مؤكداً أن الحكومة ستواكب هذا التوجه بكل مسؤولية. هذا التلاقي بين بعبدا والسراي أضفى غطاءً رسمياً نادراً على خطة لم تعد في خانة الأمنيات، بل تحوّلت إلى وقائع تتراكم على الأرض.
دولياً، يراقب المجتمع الدولي الخطوة بتقدير وحذر في آن. واشنطن أشارت عبر قنوات ديبلوماسية إلى أن أي دعم مالي مستقبلي سيكون مشروطاً بمدى جدية الدولة في ضبط السلاح. باريس أبدت استعداداً لتوسيع دعمها للجيش، ضمن آلية رقابية مرتبطة بهذا الملف تحديداً. أما دول الخليج، فأرسلت إشارات انفتاح واضحة، لكنها اشترطت خطوات ملموسة لا كلاماً سياسياً فقط. ومن هنا، فإن الرئاسة باتت أمام فرصة تاريخية لتكريس السيادة ليس عبر التصعيد، بل عبر مسار استيعابي يعيد دمج القوى المسلحة داخل إطار الدولة، تحت سقف القانون لا فوقه.
ومع أن المشهد يبدو واعداً، إلا أن المخاطر قائمة، من محاولات التعطيل السياسي إلى خطر التصعيد الاقليمي، ومن بقايا التمرّد الأمني إلى محاولات خلق توازنات بديلة خارج الشرعية. لذا، فإن المعركة تحتاج إلى أكثر من خطاب، تحتاج إلى تشريع واضح، ومرسوم رسمي، وخطة معلنة تُعرض أمام الحكومة والبرلمان والشعب. فالرئاسة وحدها لا تكفي، بل المطلوب أن تتكامل معها المؤسسات الدستورية، وأن يتحول مشروع الدولة إلى مشروع وطني جامع. والأهم من ذلك، أن يتحول إلى قضية رأي عام ضاغط، يرفع الصوت بوجه كل من يعبث بمفهوم الوطن والسلاح والسيادة.
جوزاف عون لا يقود معركة شخصية، بل مشروع جمهوري يتجاوز الاصطفافات. يراكم الوقائع لا التصريحات، يبني خطوات لا شعارات، ويفتح الباب أمام أول فرصة حقيقية منذ اتفاق الطائف لبناء دولة فعلية بسلاح واحد وقرار واحد. في زمن تكلم فيه السلاح وصمتت الدولة، يبدو أن عون بدأ يعيد المعادلة إلى نصابها الطبيعي: الدولة تتكلم… وعلى السلاح أن يصمت. فإما جمهورية تحكمها المؤسسات… أو لا وطن يُحكم.


