الانتخابات البلدية التي اختُتمت مؤخراً ليست نهاية موسم سياسي، بل بدايته الفعلية. فعلى الرغم من أنها انتخابات محلية في الشكل، إلا أن مضمونها اتخذ طابعاً وطنياً بامتياز، وتحولت صناديقها إلى محطة استكشافية تمهّد للانتخابات النيابية المرتقبة في ربيع 2026. لم تكن هذه الانتخابات لتُخاض بشراسة لولا أن القوى السياسية تدرك تماماً أنها تضع اليوم أسس خريطة تمثيلها البرلماني غداً.
في بلد مثل لبنان، تُستخدم البلديات ليس كأذرع خدماتية وحسب، بل كمنصات نفوذ وتعبئة انتخابية. فالمجلس البلدي هو الجهة الوحيدة التي تستطيع التعاقد، التوظيف، الترخيص، التلزيم، والتوزيع “الانتخابي” للخدمات والمساعدات. ما يعني أن من يربح البلدية اليوم، يملك قاعدة لشراء الأصوات في الاستحقاق النيابي المقبل، ليس بالمال السياسي المباشر، بل عبر رزم من الخدمات اليومية والوعود المستدامة.
هذه الوظيفة للبلديات تفسر المعارك الطاحنة التي دارت في معظم المناطق، حيث لم يكن أحد يتحدث عن خطط بنى تحتية أو رؤية بيئية أو تنمية مستدامة.
بل كان الكلام كلّه يدور حول “من سيمسك بالشارع؟”، و”من يضبط مفاتيح العائلات؟”، و”من يملك القدرة على إدارة الخدمات والتحالفات؟”.
غياب “المستقبل”.. حضور الفوضى
من أبرز ملامح الاستحقاق البلدي كان استمرار غياب “تيار المستقبل” عن الساحة، ما انعكس ارتباكاً في الشارع السني، لا سيما في بيروت وصيدا وطرابلس. هذا الغياب لم يُترجم بصورة إيجابية لصالح قوى التغيير كما حصل جزئياً في انتخابات 2022، بل على العكس، جاءت النتائج لتُظهر تراجع التغييريين وانفضاض قواعد ناخبة واسعة عنهم.
الناخب السني بدا وكأنه في مرحلة “ترقّب”، لا يريد أن يسلم صوته مجاناً لأي بديل، ولا أن يساهم في إيصال قوى لا تملك القدرة التنظيمية ولا الرؤية السياسية. وعليه، فإن أي تحرك منسق لـ “تيار المستقبل” في الانتخابات النيابية المقبلة كفيل بقلب المعادلات من جديد، خصوصاً إذا ما استثمر في نتائج البلديات لتعزيز حضوره.
الثنائي الشيعي: رسائل ما بعد الحرب
أدرك “حزب الله” وحركة “أمل” أن حرب “اسناد” غزة خلّفت ارتدادات سياسية حتى داخل بيئتهما، فخاضا الانتخابات البلدية كأنها معركة استفتاء. نسبة المشاركة العالية في مناطق مثل صور والنبطية وبعلبك-الهرمل، والهامش الشاسع بين الفائزين والخاسرين، لم يكونا مجرّد تفوّق انتخابي، بل كانا ردّاً مباشراً على الحملات الداخلية والخارجية التي استهدفت “شرعية المقاومة” بعد تصاعد التوتر جنوباً.
لكن خلف هذا المشهد الصلب، ثمة تشققات بدأت تظهر. فعدا عن القرى التي شهدت لوائح معارضة من داخل البيئة الشيعية، باتت حالة “الاحتكار التمثيلي” تواجه تحدياً حقيقياً من العائلات التقليدية والمجتمع الأهلي، خصوصاً في القرى البعيدة عن خطوط الاشتباك. وقد لا يظهر هذا التحدي نيابياً في 2026، لكنه يفتح الباب على تغييرات لاحقة قد تحمل مفاجآت.
الشارع المسيحي: حزب مقابل عائلة
إذا كانت المعركة الانتخابية البلدية المسيحية قد طغى عليها التنافس بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، فإن الحقيقة على الأرض مختلفة. اذ إن بيضة القبان الفعلية لم تكن حزبية، بل عائلية. العائلات التقليدية، من آل الخازن إلى آل فرام، ومن آل سكاف إلى آل المر، هي التي رجّحت الكفة في العديد من البلدات والقرى، فارضة معادلة سياسية جديدة تقول: لا حزب ينجح من دون رضا العائلة.
وهذا يعيد تشكيل مشهد الانتخابات النيابية في الدوائر المسيحية: من لم يُحسن التعامل مع العائلات في البلديات، لن يُحصّل الأصوات الكافية في البرلمان، مهما رفع من شعارات “استعادة القرار المسيحي” أو “محاربة الفساد”.
قوى التغيير: من الصعود إلى الانكسار
أما قوى التغيير، التي دخلت البرلمان بـ13 نائباً، فخرجت من صناديق البلديات خالية الوفاض تقريباً. لا لوائح موحدة، لا خطاب موحد، ولا قدرة على استقطاب جمهور ملّ من الشعارات. بل على العكس، أعادت هذه الانتخابات تثبيت الأحزاب الكلاسيكية كمحاور الصراع الرئيسي، تاركة التغيير في موقع دفاعي، يبحث عن فرصة لإعادة التموضع والنجاة من التفكك.
من بلدية إلى برلمان.. على طريق الزبائنية
كل ما تقدّم يعني أن الانتخابات البلدية لم تكن سوى الشوط الأول من معركة 2026. وبما أن البلديات هي الأقرب إلى الناس، فإنها ستُستخدم كأدوات تعبئة حزبية وشعبية: في توظيف الأنصار، رعاية الحفلات، تمويل الجمعيات، وحتى بتوزيع الحصص الغذائية.
وهكذا، يصبح الفوز بالبلدية هو الشرط التأسيسي للفوز بالنيابة. فالصوت الانتخابي في لبنان يُشترى غالباً لا في يوم الاقتراع، بل على أقساط شهرية تبدأ من “خدمة بلدية” وتنتهي بـ”صوت نيابي”.


