في مشهد لم تشهده سوريا منذ عقود، وتحت أضواء قصر الشعب في دمشق، برعاية الرئيس السوري أحمد الشرع شخصياً، وُقعت اتفاقية طاقة تُعد الأضخم في تاريخ البلاد، في خطوة تُعيد رسم خريطة البنية التحتية، وتفتح الباب أمام مرحلة اقتصادية جديدة، تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية، مع ضرورات الإعمار والتنمية.
الاتفاق الذي بلغت قيمته 7 مليارات دولار، وُقّع مع تحالف يضم شركة “أورباكون” القابضة القطرية، إلى جانب شركاء من الولايات المتحدة وتركيا، ويهدف إلى توليد 5000 ميغاواط من الكهرباء، عبر أربع محطات غازية وأخرى شمسية، ما يعادل ضعف الإنتاج الحالي ويقترب من مستويات ما قبل الحرب.
من دمار الحرب إلى مشاريع عملاقة
على مدى أكثر من 13 عاماً، عانت سوريا من انهيار تدريجي في قطاع الطاقة، بحيث انخفضت القدرة الإنتاجية للكهرباء من نحو 9000 ميغاواط عام 2011 إلى ما دون 2500 ميغاواط اليوم، وسط دمار واسع أصاب المحطات، وتراجع حاد في الإمدادات الغازية، ونقص كبير في الاستثمارات.
وبحسب ما أعلنه وزير الطاقة السوري، المهندس محمد البشير، فإن الاتفاقية تمثل “نقطة تحول حقيقية”، وتهدف إلى بناء أربع محطات كهرباء غازية بنظام الدورة المركبة (CCGT)، وهي تقنيات حديثة تضاعف كفاءة الإنتاج وتخفض الانبعاثات، في كل من دير الزور، محردة، زيزون (ريف حماة)، وتريفاوي (ريف حمص)، إلى جانب محطة شمسية بطاقة 1000 ميغاواط في وديان الربيع جنوب البلاد.
وأشار البشير إلى أن المشاريع ستعتمد على تقنيات أوروبية وأميركية متقدمة، وتستغرق نحو 20 شهراً للتنفيذ، على أن يبدأ التشغيل المرحلي في النصف الأول من hgعام 2027.
تمويل متنوع.. وأهداف سياسية ضمنية
الرئيس التنفيذي لشركة “أورباكون”، رامز الخياط، كشف أن تمويل المشروع سيكون مزيجاً من قروض من بنوك إقليمية ودولية، إضافة إلى رأسمال خاص من الشركاء، معتبراً أن “المشروع يشكّل فرصة لإعادة موضعة سوريا على خريطة الطاقة في الشرق الأوسط”.
وأوضح الخياط أن المشروع سيوفر “نحو 50 ألف فرصة عمل مباشرة، و250 ألف فرصة غير مباشرة”، ما يعني دفعة اقتصادية كبيرة في بلد تتجاوز فيه نسبة البطالة 40% وفق تقديرات غير رسمية.
وجود المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، خلال توقيع الاتفاقية، مثّل تحولاً لافتاً في الموقف الغربي، ورسالة سياسية واضحة، لا سيما بعد رفع العقوبات الغربية التي كانت مفروضة على قطاعات عدة في سوريا، فإن هذه الصفقة تعكس استعداداً دولياً للانخراط التدريجي في إعادة الإعمار، ضمن بيئة أكثر استقراراً تحت النظام الجديد في دمشق.
شراكة ثلاثية على الطاولة السورية
للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، يلتقي رأس المال الخليجي والتركي والأميركي على طاولة واحدة في سوريا. بالنسبة الى قطر، تمثل هذه الصفقة عودة استراتيجية إلى شرق المتوسط عبر البوابة الاقتصادية. أما تركيا، التي شاركت شركاتها في التحالف، فترى في هذه الشراكة فرصة لتوسيع نفوذها جنوباً. في حين تبدو الولايات المتحدة، منفتحة على دعم مشاريع “ذات أثر إنساني واقتصادي مباشر”، كما وصفها باراك.
وتعكس هذه الشراكة المتعددة الأطراف تحولاً في العقلية الاقتصادية للنظام الجديد، الذي يسعى إلى تحفيز القطاع الخاص وتدويل الاستثمارات، بعيداً من النموذج الاشتراكي-المركزي الذي ساد في عهد المخلوع بشار الأسد.
الغاز والمياه.. ملفات إقليمية معقّدة
المشروع يعتمد جزئياً على وصول إمدادات الغاز من الأردن وتركيا، وهو ما يتطلب ترتيبات إقليمية معقّدة، وسط شبكات أنابيب متشابكة، ونزاعات على النفوذ. وأكد الوزير البشير أن المرحلة المقبلة ستشهد “إطلاق شبكة توريد غاز إقليمية”، ما يُعيد إلى الواجهة فكرة التكامل الطاقي العربي – المتوسطي التي طُرحت في العقد الأول من القرن الحالي.
وتأتي هذه التفاهمات في وقت تُعيد فيه الدول المجاورة، خصوصاً لبنان والعراق، ترتيب أوراقها الطاقية. وفيما تشير التقديرات إلى أن سوريا قد تحقق اكتفاءً ذاتياً بالكهرباء خلال 3 سنوات، فإن المسؤولين لا يُخفون طموحهم بالتصدير إلى الخارج. مسؤول حكومي قال لموقع “لبنان الكبير”: “لسنا فقط بصدد التعافي، بل نُفكّر في التحول إلى مصدر للطاقة، خصوصاً في أوقات الذروة”.
وأكد المسؤول أن “الدولة اتخذت مساراً لإعادة إعمار القطاعات السورية في وقت قياسي، وسنرى عقوداً أخرى في مجالات البنى التحتية والنقل”. وأضاف: “الاتفاقية اليوم هي خطوة أولى نحو طريق طويل. خلال أقل من 3 أعوام، سنكون قادرين ليس على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الكهرباء وحسب، بل على التصدير… لمَ لا؟ قد نصدر للبنان والعراق سوياً”.
وعلى الرغم من زخم الاعلان، يواجه المشروع مجموعة من التحديات البنيوية، تبدأ بالوضع الأمني في مناطق تنفيذ المحطات، وتمر بمخاطر التمويل في ظل بيئة اقتصادية لا تزال في طور التعافي، ولا تنتهي في ظل عدم نضوج منظومة حوكمة مؤسسية رشيدة، وفي ظل قدرة المؤسسات السورية على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وتشغيلها وصيانتها في بيئة تبدأ بها الحكومة من الصفر أو ربما تحت الصفر.
لكن المهندس رؤوف نميري، المستشار في شؤون الطاقة، رأى في حديثه لموقع “لبنان الكبير” أن “الفرصة الاستثمارية في سوريا اليوم تشبه الفرص الكبرى التي شهدتها أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين… من يدخل الآن، يملك الحصة الأكبر لاحقاً”.
التوازنات الجديدة في قلب الشرق الأوسط
الاتفاقية الطاقية بين دمشق وتحالف دولي واسع لا تقتصر على بعدها التقني أو الاقتصادي، بل تمثّل علامة على بروز توازنات إقليمية جديدة، تتداخل فيها المصالح المالية مع ضرورات الاستقرار السياسي. ويبدو أن الدولة الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، تراهن على البراغماتية الاقتصادية بوصفها المدخل لإعادة تأهيل البلاد إقليمياً ودولياً.
وفي بلد خرج منه الملايين كلاجئين، وانكفأ اقتصاده إلى مستويات ما قبل العام 2000، لا تمثل الكهرباء مجرد خدمة يومية، بل هي رمز لاستعادة السيطرة والشرعية. وبينما تبقى العيون على التنفيذ، فإن ما حدث في قصر الشعب، في 29 أيار 2025، سيكون – كما يصفه أحد المستثمرين – “حجر الأساس لجمهورية ما بعد الحرب”.


