في مشهد يذكّر بالعناوين الدرامية للحروب الكبرى، استيقظت روسيا على ما وصفه مراقبون بـ”بيرل هاربر جديدة” لكن هذه المرة ليست في مياه المحيط، بل في عمق سيبيريا، وعلى أيدي أسراب من الطائرات المسيّرة الأوكرانية التي نفذت واحدة من أعنف الضربات الجوية وأدقها منذ بدء الحرب الروسية-الأوكرانية.
ففي وقت كانت تُحضّر فيه موسكو وكييف لجولة جديدة من محادثات السلام في إسطنبول، كانت طائرات أوكرانيا من دون طيار تتسلل – وفق عملية مُحكمة التخطيط – إلى قلب القواعد العسكرية الروسية، لتضرب العمق الاستراتيجي الحساس حيث تتمركز قاذفات القنابل النووية بعيدة المدى من طراز “تو-95″ و”تو-22”.
عملية “شبكة العنكبوت”: ضربات ذكية وتوقيتها قاتل
نفّذ جهاز الأمن الأوكراني (SBU) الهجوم تحت الاسم الرمزي “شبكة العنكبوت”، بعد أكثر من عام ونصف العام من التحضير، وفق مصادر أمنية رفيعة تحدثت للوكالات الدولية. الطائرات المسيّرة لم تأتِ من السماء، بل خرجت من أسطح أكواخ خشبية تم تحميلها على شاحنات أوصلتها إلى محيط قواعد روسية في إيركوتسك ومورمانسك. ومن هناك، أُطلقت الطائرات إلى أهدافها داخل القواعد الجوية، حيث أصابت 41 طائرة حربية استراتيجية، بما في ذلك نسبة تُقدّر بـ34% من حاملة صواريخ كروز الروسية.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي أشرف شخصياً على العملية مع رئيس الـSBU فاسيل ماليك، وصفها بأنها “أبعد عملية هجومية تنفذها أوكرانيا داخل الأراضي الروسية”، وقال إنها “نتيجة رائعة جداً”، مشيداً بفريقه الذي أخرج من الأراضي الروسية في الوقت المناسب.
الأثر الاستراتيجي: روسيا تنزف في القلب
الضربة ليست رمزية. إنها تمس العمق العقائدي والعسكري لروسيا. قاعدة بيلايا الجوية في سيبيريا التي طالها الهجوم تُعد واحدة من أبرز القواعد الحاضنة لقاذفات استراتيجية تُستخدم في قصف أوكرانيا. وبالتالي، فإن خسارة هذا العدد من الطائرات، والخسائر التقديرية التي تبلغ 7 مليارات دولار، تشكل ضربة موجعة لقدرات موسكو الجوية في حرب استنزاف طويلة الأمد.
وزارة الدفاع الروسية، التي قللت من حجم الخسائر، أقرت عبر “تلغرام” بأن النيران اشتعلت في طائرات بعد هجمات بالطائرات المسيّرة على خمس مناطق شملت مورمانسك، إيركوتسك، إيفانوفو، ريازان وآمور. لكنها اكتفت بالاشارة إلى أن الأضرار اقتصرت على منطقتين فقط.
غير أن الصور والفيديوات التي انتشرت على وسائل التواصل، على الرغم من عدم التحقق منها بصورة رسمية، أظهرت طائرات استراتيجية مشتعلة وسط سحب الدخان، ما يعكس حجم الضربة ونجاح عنصر المباغتة.
اختراق أمني واستخباراتي غير مسبوق
العملية لم تكن عسكرية وحسب، بل استخباراتية بامتياز. فقد نفذ فريق العملية الجزء الأكبر من الإعداد داخل روسيا نفسها، حتى أن أحد مواقع الإعداد كان يقع بجوار مكتب لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، وهو ما يكشف عن ثغرات صادمة في البنية الأمنية الروسية، ويفتح الباب أمام تساؤلات عميقة في أروقة الكرملين.
هذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها أوكرانيا العمق الروسي، لكنها الأولى من حيث المدى، والتعقيد الاستخباراتي، وعدد الطائرات المسيّرة المستخدمة – 117 مسيّرة – وعدد الأهداف المصابة دفعة واحدة.
تزامن مع السلام: الرسالة وصلت
الضربة جاءت عشية انعقاد الجولة الثانية من محادثات السلام المباشرة في إسطنبول. وفيما كان بعض الأصوات يتحدث عن تهدئة، بعثت كييف برسالة مزدوجة: إنها مستعدة للسلام، لكنها قادرة على الحرب، وان خطوط الجبهة التقليدية لم تعد عائقاً أمام الذراع الجوية الأوكرانية.
في السياق نفسه، تسود حالة من الإرباك في الموقف الروسي، فبينما يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الطرفين بالتوصل إلى سلام سريع – ملوّحاً بتحميل أوروبا المسؤولية إذا فشل ذلك – تحاول موسكو إظهار تماسكها على الرغم من الهزة، وتلوّح بتوسيع عملياتها في منطقة سومي، حيث حققت تقدماً يُقدّر بـ450 كيلومتراً مربعاً في أيار، وهو أعلى معدل تقدّم شهري لها منذ ستة أشهر.
بيرل هاربر.. بنكهة أوكرانية
حين هاجمت اليابان بيرل هاربر عام 1941، كانت تلك الضربة المفاجئة لحاملة الطائرات الأميركية هي التي أدخلت الولايات المتحدة إلى قلب الحرب العالمية الثانية. اليوم، ترسم أوكرانيا معالم هجومها الخاص – ليس من البحر، بل من سيبيريا – لتعلن مرحلة جديدة من الصراع: “الحرب لم تعد على الحدود، بل في عمق العدو”.
إنها عملية تكاد تُنتزع من مشهد في سلسلة أفلام “المهمة المستحيلة”؛ هندسة عالية الدقة، تنفيذ سري، وانفجار مدوٍّ في قلب الدولة الخصم. أوكرانيا لا تُخفي نشوتها بما تعتبره “ضربة القرن”، وقد ترى في هذا الإنجاز ورقة رابحة تضعها على طاولة المفاوضات المقبلة، لعلّها تُقارب من موقع قوة ما عجزت عنه من موقع دفاع.
لكن، ماذا لو لم تكن موسكو في وارد التسليم؟ ماذا لو قرّرت روسيا أن تردّ كما ردّت أميركا على بيرل هاربر الأصلية؟ يومها، لم تكتفِ واشنطن بإعلان الحرب، بل فتحت الباب أمام أول ضربة نووية في التاريخ – هيروشيما.
هل يحتمل العالم اليوم هجوماً نووياً جديداً؟ وهل يُشعل التصعيد الحالي حرباً كبرى تخرج عن السيطرة؟ أسئلة ثقيلة تُخيّم فوق رؤوس الجميع… والاجابات قد تكون أكثر انفجاراً من المسيّرات نفسها.


