تخلّت الولايات المتحدة عن “صوتها الموحَّد” تجاه إسرائيل، وتزايدت الاشارات المقلقة داخل تل أبيب، مع تنامي الخلاف العلني بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وصولاً إلى إقالة عدد من المسؤولين الأميركيين المحسوبين على التيار الداعم لإسرائيل. الحدث لم يعد مجرد تباين تكتيكي، بل تجاوز حدود الخلاف الديبلوماسي إلى مسٍّ مباشر بعقيدة كانت تبدو سابقاً راسخة: أن الدعم الأميركي لإسرائيل غير قابل للمراجعة.
لكن، إذا كان هذا الدعم يشهد مراجعة، فهل يعني ذلك أن ما يُسمى بـ”اللوبي الصهيوني” لم يعد كما يُصوّر، ذلك الأخطبوط الذي يتحكم بكل مفاصل القرار الأميركي؟ أم أن القصة أعقد من ذلك بكثير؟
الخلاف بين ترامب ونتنياهو: فتيل انفجار
بعيداً من الابتسامات أمام الكاميرات، تكشّف التوتر الحقيقي بين ترامب ونتنياهو في ثلاثة ملفات رئيسية:
الملف الايراني: بينما تصرّ إسرائيل على ضرورة ضرب المنشآت النووية الايرانية عسكرياً، يتمسّك ترامب بخيار التفاوض، بل ويفاخر بأنه منع نتنياهو شخصياً من شنّ ضربة على إيران، في مكالمة هاتفية حاسمة.
الحرب على غزة: في الوقت الذي يوسّع فيه نتنياهو عملياته العسكرية، كان ترامب يسعى إلى وقف لإطلاق النار، مدفوعاً برغبته في إنجاز خطة إعادة إعمار تُسوَّق كـ”صفقة ترامب لغزة”.
التغييرات في الادارة الأميركية: جرى استبعاد عدد من كبار المسؤولين المعروفين بتأييدهم لإسرائيل، أو دفعهم الى الاستقالة من مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، من بينهم ميراف سيرين، إريك ترايغر، ومورغان أورتاغوس. وجاء ذلك في سياق إضعاف “الدولة العميقة” في واشنطن، وفق أجندة ترامب: “أميركا أولاً”.
هل يتهاوى نفوذ اللوبي الاسرائيلي؟
هذا التباعد اللافت بين ترامب ونتنياهو، الذي بلغ حدّ “الطلاق السياسي” المؤقت، يعيد طرح سؤال ظلّ حاضراً في النقاش السياسي العربي والغربي: هل يحكم اللوبي الصهيوني فعلاً الولايات المتحدة؟ وإذا كان يحكمها، فكيف نفسّر تلك القرارات الصادمة لتل أبيب، والتخلي عن بعض أهم رموز الدعم الاسرائيلي في البيت الأبيض؟
من المؤكد أن اللوبي الاسرائيلي – وتحديداً AIPAC والكنائس الانجيلية – يتمتع بنفوذ كبير في الكونغرس الأميركي، كما يملك أدوات ضغط مالية وإعلامية هائلة. لكن القرار الرئاسي في أميركا لا يُطبخ في غرف الضغط وحسب، بل يتشكل عبر مصالح جيوسياسية أعقد من مجرد إرضاء حليف.
فترامب، بوصفه رجل صفقات أكثر منه أيديولوجياً، قرر المضي في مفاوضات مع إيران على الرغم من الغضب الاسرائيلي، كما تجاهل استشارات “الموالين لإسرائيل” داخل إدارته عندما اعتبر أن المصلحة الأميركية تقتضي تهدئة مع طهران، وترتيب تحالف مع الرياض، لا خوض حرب جديدة بالنيابة عن تل أبيب.
اللوبي منقسم.. والمجتمع اليهودي أكثر تنوّعاً
صورة “اللوبي الصهيوني” ككتلة موحدة لم تعد دقيقة. فقد برزت تيارات يهودية أميركية تعارض سياسات الاحتلال والتطرّف الاسرائيلي، مثل “جي ستريت” و”الصوت اليهودي من أجل السلام”، إلى جانب شباب يهودي أميركي بدأ يتململ من دعم حكومات يمينية متطرفة مثل حكومة نتنياهو.
حتى داخل AIPAC، تتفاوت الرؤى بشأن كيفية دعم إسرائيل، بين من يرى فيها “مشروعاً دينياً مقدساً”، ومن يعتبرها “حليفاً استراتيجياً” يُمكن التخلي عن بعض أولوياته عند الضرورة.
اليمين الأميركي نفسه ليس كتلة واحدة
لطالما كان المحافظون الجدد من أبرز الداعمين لإسرائيل، لكن مع صعود “اليمين الانعزالي” بقيادة شخصيات مثل تاكر كارلسون، بدأت تتسرّب إلى البيت الأبيض نزعة “أميركا أولاً” التي ترى في الدعم غير المشروط لإسرائيل عبئاً وليس رصيداً.
تصريحات مسؤولين مقرّبين من ترامب تكشف هذه التوجّهات الجديدة: “لماذا نخوض حرباً ضد إيران من أجل إسرائيل؟”، “إسرائيل تجرّنا إلى صراعات لا تخدم مصلحتنا”، “غزة ليست مسؤوليتنا”… هذه العبارات لم تعد نادرة في أوساط القرار الأميركي، خصوصاً في الاعلام المحافظ.
إذا لم يكن اللوبي حاكماً… فما هو إذاً؟
اللوبي الاسرائيلي ليس “حكومة ظل”، ولا “العقل المدبّر” لكل قرار أميركي، كما يروّج بعض الاعلام العربي، لكنه أيضاً ليس مجرّد جمعية صداقة. هو شبكة متغلغلة، لها نفوذ واسع عبر:
– تمويل الحملات الانتخابية.
– التحالف مع وسائل إعلام نافذة.
– التأثير في المؤسسات البحثية والأكاديمية.
– تغذية الثقافة السياسية الأميركية بفكرة “التحالف القيمي” مع إسرائيل.
لكن هذه الأدوات تصطدم أحياناً بقرارات رئاسية تتخذها إدارة ترى أولوياتها في مكان آخر. هذا ما حصل في خلاف ترامب – نتنياهو. لقد قدّمت إدارة ترامب دعماً استثنائياً لإسرائيل في قضايا مثل الجولان والقدس، لكنها لم تسمح لها بجرّ واشنطن إلى حرب ضد إيران.
أميركا لا يحكمها اللوبي الصهيوني، لكنها أيضاً لم تتحرر من نفوذه. نحن أمام علاقة معقّدة: تحالف استراتيجي طويل الأمد، تعرّض في عهد ترامب إلى أول اختبار جديّ له منذ عقود.
هذا التحوّل يجب أن يُفهم لا بوصفه “انقلاباً” على إسرائيل، بل كمؤشر على أن واشنطن – حتى في ظل أكثر الرؤساء دعماً لتل أبيب – لا تزال قادرة على رسم سياساتها بناءً على مصالحها لا مصالح حلفائها فقط.
وهنا يكمن التحدي أمام العرب: ألا يراهنوا على “تفكك الحلف” بل أن يبنوا أدواتهم الخاصة للضغط، تماماً كما فعلت إسرائيل نفسها… حين لم تكن تملك شيئاً سوى لوبي قوي، وشبكة مصالح عابرة للحدود.
ويبدو أن السعودية كانت أول دولة عربية تبادر إلى بناء لوبي فاعل في واشنطن يدافع عن مصالحها، حيث نجح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في استمالة الرئيس ترامب ودفعه إلى اتخاذ قرارات تصب في مصلحة الرياض، حتى وإن تعارض بعضها مع الأجندة الاسرائيلية. وقد تجلّى هذا النفوذ بوضوح خلال زيارة ترامب الأخيرة إلى الرياض، التي رافقتها إشادات غير مسبوقة بولي العهد ودوره في “قيادة التحوّل في الشرق الأوسط”.


