“الحليف الكفو”: قطر وسوريا نحو شراكة استراتيجية بعد انتصار الثورة

ماهر الحمدان

في تحوّل استراتيجي يعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى، أنهت سوريا وقطر جولة تفاهمات رفيعة المستوى في الدوحة، تُوّجت بإطلاق حزمة شراكات استراتيجية تشمل مجالات الطاقة، الصحة، المال، التعليم والسياحة، في سياق جديد يُجسّد الانتقال السوري من زمن الثورة إلى بناء الدولة. ويأتي هذا التقارب كترجمة فعلية لدور قطر التاريخي في دعم إرادة السوريين منذ انطلاق ثورتهم، وتأكيداً لمكانتها كأحد أهم الحلفاء السياسيين والماليين لسوريا ما بعد النظام.

قاد الوفد السوري، بتوجيه مباشر من الرئيس أحمد الشرع، سلسلة محادثات رسمية مع القيادة القطرية، حاملة رسائل مفادها أن سوريا الجديدة تعتبر قطر شريكاً أصيلاً لا يمكن تجاوزه في صياغة المستقبل، وأن هذه الشراكة ليست انفتاحاً طارئاً، بل تتويج لمسار طويل من الدعم السياسي والإنساني. الشرع، الذي يُمثّل الجيل الجديد من القيادة السورية، يضع أسس سياسة خارجية أكثر استقلالية، لكنها تعتمد على التحالفات الوفية التي أثبتت جدارتها في زمن الأزمة.

من دعم الثورة إلى شراكة بناء الدولة

قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في تصريح رسمي من الدوحة: “نُعبّر عن اعتزازنا بمواقف قطر الداعمة للشعب السوري، ونجدّد التزامنا بمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”. إلا أن ما جذب الانتباه، كان وصفه غير التقليدي للدوحة بأنها “الحليف الكفو” – تعبير شعبي أدرجه الشيباني في خطاب ديبلوماسي رسمي، ليُجسّد عمق الامتنان والثقة بين الطرفين.

هذا التعبير، في عمقه، يختزل موقف سوريا الجديدة: فالدوحة لم تغيّر موقعها السياسي، بل أصبحت دمشق في موقع يُمكّنها من الشراكة، لا الاستجداء؛ من التفاوض، لا الانكسار؛ من البناء، لا التبعية.

وكشف مصدر حكومي مطّلع لموقع “لبنان الكبير” أن الزيارة كانت مثمرة للغاية، وفتحت الباب أمام شراكات متعددة في القطاعات التالية:

الطاقة: ستُعيد قطر تقديم منحة الكهرباء للمحافظات السورية، بما يضمن تغذية منتظمة وفعالة لعدد من المناطق التي عانت من حرمان طويل.

الصحة: شراكة نوعية تشمل إنشاء مشفى مركزي جديد في العاصمة بتمويل قطري، وتأهيل ثلاثة مستشفيات أخرى في المحافظات، إلى جانب تطوير المعمل الوطني لإنتاج الأدوية وتحويله إلى “واحة صحية جديدة في الشرق”.

المالية: سيتم توسيع المنحة القطرية لدعم رواتب العاملين في القطاع العام، ويجري العمل على تمديدها لما بعد الأشهر الثلاثة القادمة، بجهود تنسيقية قطرية – سعودية.

النفط والغاز: بُحثت شراكات محتملة في ملف التنقيب عن النفط والغاز ضمن الأراضي والمياه السورية، وهو ما يُشكّل تحولاً اقتصادياً كبيراً يمهّد لمرحلة ما بعد الريع التقليدي.

التعليم والسياحة: هناك اهتمام بتطوير شراكات في هذين القطاعين، مع التركيز على برامج التبادل الأكاديمي والتدريب الفني.

دمج سوريا في النظام المالي العالمي عبر البوابة القطرية

وأوضح المصدر أن أحد أبرز مخرجات الزيارة هو التوافق على إعادة ربط البنوك السورية بمنظومة SWIFT العالمية من خلال الشراكة مع القطاع المصرفي القطري. وقال: “هذه الخطوة هي حجر الأساس لإعادة بناء الثقة بين البنوك السورية والدولية، لكنها لا تتم مباشرة، بل عبر بوابة قطرية تضمن الرقابة، وتُشكل غطاءً شرعياً وموثوقاً في البيئة الاقليمية والدولية.”

هذا المسار المالي لا يقل أهمية عن المسار السياسي، لأنه يُؤسس لبنية تحتية مستقرة تُمكّن سوريا من استعادة استقلالها المالي، والخروج من العزلة التي فُرضت لعقدين.

ما بعد الانتصار: التحالف مع من وقفوا وقت المحنة

الزيارة ليست حدثاً إدارياً أو بروتوكولياً فحسب، بل لحظة تأسيسية تُعيد رسم تحالفات المنطقة من زاوية سورية جديدة. قطر، التي وقفت إلى جانب السوريين حين كانت العواصم تُغلّب المصلحة على المبادئ، تجد نفسها اليوم في صدارة حلفاء الدولة السورية الجديدة، لا كمموّل فقط، بل كشريك سياسي، اقتصادي، وإنساني. قطر وسوريا لا تبنيان مجرد شراكة بين دولتين، بل تحالف يعيد تعريف معنى النصر السياسي، لأن الثورة لا تنتهي بإسقاط نظام، بل تبدأ حين تُعيد بناء المؤسسات، وتحمي استقلال القرار، وتُكافئ من وقف مع الحق في زمن الشدة. وهذا ما يحدث الآن، الدوحة ودمشق تُدشّنان تحالف الإرادة… وتحالف الدولة.

شارك المقال