في لحظة مفصلية من التحوّلات الاقليمية، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بيروت، حاملاً خطاباً ديبلوماسياً ناعماً ومفردات مختلفة عمّا اعتاده اللبنانيون في العقود الأخيرة. لكن الزيارة، الأولى منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، لم تكن بروتوكولية بقدر ما كانت سياسية بامتياز، تلامس جوهر التوازن اللبناني ومحاولات استعادته بعد سنوات من تفكك الدولة وانخراطها في صراعات المحاور.
من قصر بعبدا، وجّه الرئيس عون رسائل واضحة: لا شراكات خارج الدولة، لا دعم خارج المؤسسات، ولا سياسة خارج السيادة. وخلال استقباله عراقجي، شدد على أنّ لبنان يتطلع إلى علاقات “من دولة إلى دولة”، وأن المرحلة تفرض الانفتاح لا التبعية، والتعاون لا الرهان على أدوات النفوذ.
عراقجي من جانبه حرص على التماهي مع الخطاب الرسمي اللبناني. فقد أعلن بوضوح أن إيران “تحترم استقلال لبنان وتدعم قراره الوطني”، معرباً عن رغبة بلاده في تعزيز التعاون مع الحكومة اللبنانية، وطرح إمكان مساهمة الشركات الإيرانية في إعادة الإعمار إذا طلبت الدولة اللبنانية ذلك. والأهم، أن تصريحاته خلت للمرة الأولى من أي إشارة الى “حزب الله” أو الى محور المقاومة، ما اعتُبر انعكاساً لمراجعة هادئة تجريها طهران في تموضعها اللبناني، في ضوء تبدل الموازين على المستويين الاقليمي والدولي.
غياب اللقاءات العلنية مع قيادة “حزب الله” عن أجندة الزيارة لم يمرّ من دون ملاحظة. فالمؤشرات كافة توحي بأن إيران، وإن لم تُنهِ تحالفها مع الحزب، تسعى إلى تخفيف تموضعها المباشر خلفه، والانفتاح على الدولة الرسمية من بوابة الرئاسة والحكومة. ولو تمت الاستعاضة عن هذا الغياب بخبرٍ صحافيٍّ مقتضب، نُشر عبر قناة “المنار” الناطقة باسم الحزب، حول لقاء جمع عراقجي بالأمين العام الشيخ نعيم قاسم، إلا أن طبيعة الزيارة العلنية ومضامينها بقيت محكومة بالإطار الرسمي من دون استعراضات سياسية.
ولا يمكن فصل هذه الزيارة عن السياق الأوسع الذي تشهده المنطقة. فإيران، التي تخوض مفاوضات معقدة مع القوى الغربية بشأن ملفها النووي، وتواجه ضغوطاً اقتصادية خانقة داخلياً، تسعى اليوم إلى تخفيف حدّة المواجهة في ساحات نفوذها التقليدية، ومنها لبنان. في المقابل، تعمد المملكة العربية السعودية إلى إعادة تشكيل علاقاتها الاقليمية، بعد مصالحتها مع طهران برعاية صينية، في اتجاه يفتح الباب أمام تسويات هادئة تمتد من اليمن إلى سوريا فالعراق، وصولاً إلى لبنان.
وفي هذا المناخ، لم يعد مقبولاً أن يبقى لبنان ورقة بيد أي طرف خارجي. فالمزاج الدولي، من واشنطن إلى بروكسل، يدفع نحو تحييد لبنان عن النزاعات الاقليمية، والتعامل معه كدولة ذات سيادة لا كساحة تصفية حسابات. ووسط هذا المشهد، يلتقط الرئيس جوزاف عون اللحظة بوعي سياسي، ويحاول إعادة وضع لبنان في موقعه الطبيعي، كدولة شريكة في الاستقرار الاقليمي، لا تابعاً لمحور ولا رهينة لسلاح غير شرعي.
في هذا الاطار، بدا موقف وزير الخارجية يوسف رجي متماهياً مع رؤية الرئاسة، إذ أكد أن “لبنان يرحب بكل تعاون يحترم دستوره ومؤسساته، ويعزز استقراره لا يُضعفه”، في رسالة ضمنية تؤكد أن زمن تجاوز الدولة قد ولّى.
زيارة عراقجي، بصيغتها ومضمونها، تُمهّد لتحوّل تدريجي في شكل العلاقة بين بيروت وطهران: من علاقة قائمة على الوكلاء إلى علاقة تعترف بالدولة، ومن نفوذ حزبي إلى حوار مؤسساتي. وهذا التحوّل لا يُلغي التباينات، لكنه يعكس لحظة مراجعة، وإمكان بناء نموذج جديد من العلاقات الثنائية خارج الاصطفافات.
يبقى أن ينجح الداخل اللبناني في التقاط هذه اللحظة. فالإرادة السياسية التي يعبّر عنها الرئيس عون بحاجة إلى دعم داخلي صلب، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسات، كي لا يبقى “الحياد” فكرة طموحة، بل يتحوّل إلى واقع حاكم يضع لبنان خارج لعبة المحاور، لا ضحية لها.


