طمع اسرائيلي يتزامن مع استياء أميركي… والضاحية تسأل أين الضمانات؟

محمد شمس الدين

تعيش الضاحية الجنوبية لبيروت، ومعها البلاد، على وقع تصعيد إسرائيلي جديد يُنذر بقلب الطاولة على التفاهمات الهشّة التي أرساها اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل أواخر العام الماضي. ففي ليل الخامس من حزيران، شنت الطائرات الحربية الاسرائيلية سلسلة غارات استهدفت ما قيل إنها مواقع للطائرات المسيّرة تابعة لـ”حزب الله”، بعد أن سبقتها تحذيرات مباشرة عبر المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي تطلب من السكان إخلاء أماكن بعينها.

المفارقة هذه المرة أن الجيش اللبناني حاول احتواء الموقف، معلناً استعداده للكشف على المواقع التي حدّدتها إسرائيل بهدف نزع الذرائع، لكن المبادرة قوبلت بالرفض الاسرائيلي، بل وبردّ ميداني تمثل في استهداف أحد أسطح المباني المحذرة بغارة تحذيرية، على الرغم تمن وجود عناصر من الجيش داخله.

الجيش اللبناني لم يتراجع، بل توجه لاحقاً إلى مبنى في منطقة الليلكي، وكشف عليه بحضور لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، وأجرى حفريات وتوثيقاً دقيقاً من دون العثور على أي أثر لأسلحة أو نشاط عسكري. في المقابل، استمرت الرواية الاسرائيلية بأن “الوحدة 127” التابعة لـ “حزب الله” تعيد تفعيل نشاطها في إنتاج الطائرات المسيّرة بدعم إيراني، مستلهمة من التجربة الروسية – الأوكرانية في استخدام هذا النوع من السلاح.

بين مسيّرات الحزب وتقنيات إسرائيل

وفق تقرير موسّع نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن إسرائيل تعتبر أن “حزب الله” استثمر مؤخراً ميزانيات كبيرة في تطوير طائرات انتحارية وهجومية للاستطلاع، واتهمته ببناء منشآت تحت الأرض لتجميع هذه المسيّرات في مناطق مدنية.

الصحيفة لفتت إلى أن “الوحدة 127″، التي تمّ تأسيسها عام 2012 وتعرضت لنكسة كبيرة بعد اغتيال قائدها محمد سرور في 2024، عادت إلى دائرة اهتمام الاستخبارات الاسرائيلية، التي تزعم أن الحزب يسعى الى استقلالية أكبر عن إيران في هذا المجال. وأشارت إلى أن الجيش الاسرائيلي دمّر خلال حرب 2024 نحو 70% من مسيرات الحزب، ويكثف حالياً عملياته لمنع تعافي قدراته الجوية.

بين نهر الليطاني والضغوط على العهد

دوائر الاليزيه تتحدث عن نية إسرائيلية لتوسيع نطاق احتلالها جنوباً حتى نهر الليطاني، بل وربما العودة إلى الشريط الحدودي القديم الذي كانت تسيطر عليه قبل التحرير عام 2000، بينما تبدو الدوائر الأميركية أقل قلقاً من خطر الحرب، مرجحة تنفيذ ضربات محدودة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

غير أن واشنطن، وفق مصادر مطلعة، بدأت تبدي تململاً متزايداً من أداء العهد اللبناني الجديد في ملف سلاح “حزب الله”، معتبرة أن غياب الجدية في معالجته يعكس ضعفاً في التزام لبنان بالقرارات الدولية، خصوصاً القرار 1701.

الضاحية تُقصف.. والمواقف تتبلور

الغارات الاسرائيلية التي ضربت قلب الضاحية، وأحدثت موجة نزوح واسعة عشية عيد الأضحى، جوبهت بموقف موحد نسبياً من الدولة اللبنانية. رئيس الجمهورية جوزاف عون وصف الاعتداءات بأنها “استباحة سافرة”، فيما دعا رئيس الحكومة نواف سلام المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته. أما قيادة الجيش، فأشارت إلى أنها تنسق مع لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية على الرغم من تعنت إسرائيل، ملمّحة إلى إمكان تجميد هذا التعاون إذا استمر استهداف الدور السيادي للمؤسسة العسكرية.

في المقابل، يعتبر الثنائي الشيعي أن “حزب الله” التزم بوقف النار ولم ينفذ عمليات جنوب الليطاني، بينما تواصل إسرائيل اعتداءاتها، متسائلاً: “ما الضمانة أن لا تتحول سكين مطبخ إلى مبرر لهجوم جديد؟”.

على الرغم من ذلك، تعترف أوساط الثنائي باختلال توازن القوى لصالح إسرائيل، لكنها تذكّر بأن “لبنان لم يكن يوماً الأقوى عسكرياً، بل اعتمد على إرادة المواجهة، وأن مجرد جرح إسرائيل هو إنجاز في حد ذاته”.

غارات وتوقيت ورسائل

بحسب “يديعوت أحرونوت”، لم يكن هناك إجماع داخل المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر (الكابينت) على تنفيذ الضربة الأخيرة، لكن قائد سلاح الجو تومر بار فرضها ضمن خطة لتقويض إنتاج المسيرات. وقد شملت العملية تدمير ورش ومستودعات تحت الأرض، يُعتقد أنها لإنتاج طائرات مسيّرة، كما قُتل خلالها قياديون بارزون في “الوحدة 127”.

وفي واحدة من أبرز الهجمات، استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في قيسارية في تشرين الأول 2024، ما اعتبر تصعيداً نوعياً، وسرّع عمليات الاستهداف ضد قادة الحزب ومقراته.

مأزق الدولة: بين الحياد المستحيل والدور الغائب

على الرغم من تباين المواقف، يجمع معظم القوى السياسية على أن تغييب دور الجيش يُضعف منطق الدولة ويمنح ذريعة لمنطق الميليشيا. حتى الأصوات المعارضة لسلاح الحزب باتت ترى أن تهميش المؤسسة العسكرية هو خطر مضاعف، لأن البديل ليس الجيش بل الفوضى.

السلطة اللبنانية تجد نفسها في مأزق متعدّد الاتجاهات: بين ضغوط واشنطن لنزع سلاح “حزب الله”، وتحديات الداخل التي لا تزال تعتبر الحزب شريكاً لا يمكن تجاوزه، وبين ساحة جنوبية تُستنزف أمنياً واقتصادياً كل يوم، وساحة دولية تزداد فيها العزلة ما لم يتخذ لبنان قرارات واضحة بشأن احتكار السلاح وفرض الدولة.

أما الحزب، فيعيد لملمة صفوفه ويستعد لحرب لا يسعى إليها، لكنه يرى نفسه مضطراً الى خوضها إذا فُرضت عليه. يُراجع بدقة إخفاقات المواجهة السابقة، ويسعى إلى سد الثغرات وتحسين الجهوزية قدر الإمكان، مستفيداً من تجربة الحرب في أوكرانيا وروسيا لتطوير قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، انطلاقاً من قناعته بأن إسرائيل باتت تتحرك لتعديل قواعد الاشتباك بصورة استباقية ومباغتة.

لبنان اليوم ليس أمام تحدي الحرب أو السلام وحسب، بل أمام سؤال وجودي: من يحكم؟ من يردع؟ ومن يقرر؟

وما لم تحسم الدولة أمرها وتضع استراتيجية سيادية تُلزم الداخل والخارج معاً، فإن البلاد ستبقى ساحة مكشوفة لكل الرسائل الصاروخية، من تل أبيب إلى طهران، مروراً بواشنطن وباريس… وعلى حساب أهلها فقط.

شارك المقال