هل انتهت فترة السماح الأميركية للعهد؟

جورج حايك

مضت ستة أشهر على انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وكانت الأنظار، محلياً ودولياً، خلال هذه الفترة، متّجهة إلى قصر بعبدا والحكومة التي تشكّلت برئاسة نواف سلام. وعُقدت الآمال على العهد الجديد لمعالجة مسألة نزع سلاح “حزب الله”، وهي قضية شائكة بل أساسية، تترتّب عليها استعادة الدولة لقرارها الاستراتيجي وسيادتها، وتطبيق الدستور والقرارات الدولية، والقيام بالإصلاحات الضرورية، والأهم الإفراج عن المساعدات الدولية لإعادة الإعمار.

لا شك في أن واشنطن كانت المعنيّة الأولى بمتابعة أداء العهد الجديد، وقد أوكلت المهمة لموفدتها الديبلوماسية مورغان أورتاغوس، قبل أن يُفاجأ العالم بقرار صدر عن إدارة الرئيس دونالد ترامب بإقالتها، نظراً الى تأييدها للخط الاسرائيلي في واشنطن.

لكن الرعاية الأميركية للسلطة اللبنانية لا تقتصر على أورتاغوس، فالتقارير التي تصل إلى واشنطن كافية ووافية لرصد المسار الذي تتبعه هذه السلطة، المتمثّلة بالرئيسين عون وسلام. وتنقسم هذه التقارير إلى مرحلتين:

في المرحلة الأولى، التي شملت الأشهر الثلاثة الأولى من العهد، كان الارتياح بادياً على الادارة الأميركية لجهة تشكيل الهرم الدستوري اللبناني، والتعيينات العسكرية والادارية، وتنفيذ الجيش اللبناني لاتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي 1701 في الجنوب. وعلى الرغم من تضمّن التقارير بعض الملاحظات، فإن مواقف عون وسلام بشأن حصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، لاقت ترحيباً أميركياً وأوروبياً وعربياً لافتاً، واستبشر اللبنانيون خيراً بتحوّل سياسي كبير يختلف عن النهج السابق الذي اعتادوه.

أما المرحلة الثانية، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، فبلغت واشنطن تقارير عن استمرار هذه المواقف الجيدة، لكن مع بطء ملحوظ في جمع السلاح من “الحزب”، وتردد واضح في ما يخص شمال الليطاني، الذي يعتبره مسؤولو “الحزب” غير مدرج في اتفاق وقف إطلاق النار، مشددين على التمسّك بالسلاح حتى لو اقتضى الأمر مواجهة كل من يحاول نزعه، بل و”قطع يد” من تسوّل له نفسه ذلك.

من المؤكد أن مواقف “الحزب” وتباطؤ السلطة اللبنانية في حسم هذا الملف، وتكرارها لمعزوفة ضرورة انسحاب الجيش الاسرائيلي من النقاط الاستراتيجية الخمس داخل لبنان قبل استكمال نزع السلاح، لم تلقَ آذاناً صاغية. وتشير المعطيات من واشنطن إلى أن بقاء إسرائيل في هذه النقاط تمّ بموافقة أميركية، وتحت إشراف اللجنة الأمنية الدولية المعنية بمراقبة تنفيذ الاتفاق.

ضغط الأميركيون في اتجاه أن يضع عون وحكومة سلام مهلة زمنية لنزع سلاح “الحزب”، لكن رئيس الجمهورية حاول امتصاص الضغط الأميركي بآلية ديبلوماسية هادئة، مؤكداً أن قضية السلاح لا تُحل بالقوة، بل تتطلّب حواراً هادئاً. وللوهلة الأولى، تفهّمت الادارة الأميركية هذا الطرح، على الرغم من عدم ثقتها بنوايا “الحزب”، وانتظرت هذا “الحوار” الذي بقي غامضاً، ولم يُفهم حتى من الأحزاب اللبنانية، ما إذا كان حواراً سياسياً حول جوهر تسليم السلاح، أم مجرد نقاش حول آلية تقنية لتسليمه.

وبعد مرور ستة أشهر على عهد عون وحكومة سلام، شعرت الادارة الأميركية وإسرائيل بشيء من المماطلة والبرودة في هذا الملف الحساس، وكأن السلطات اللبنانية الجديدة تنتظر نهاية المفاوضات الأميركية-الايرانية، مع التركيز على الاستثمار في صيف سياحي واعد، بعد جولات مكوكية للرئيس عون في الدول العربية والخليجية لتشجيعها على رفع الحظر عن زيارة لبنان. لكن تَكَوَّن انطباع لدى الادارة الأميركية بأن أقوال المسؤولين اللبنانيين أكثر من أفعالهم، وبدأت حالة من الامتعاض تظهر إلى العلن.

في موازاة ذلك، رصدت إسرائيل محاولات من “الحزب” لإعادة بناء قدراته العسكرية وإنتاج المسيّرات، ووقعت بلبلة من تبادل اتهامات بين إسرائيل والجيش اللبناني حول إبلاغ لجنة المراقبة عن مواقع ليست تلك التي استهدفتها إسرائيل مؤخراً في الضاحية الجنوبية. إلا أن ما حصل يتجاوز المواقع “المشبوهة”، فهذه الضربات، بحسب معطيات أميركية موثوقة، لا تتعلق بالوضع العسكري فحسب، بل تُنذر بانتهاء فترة السماح الأميركية-الاسرائيلية للحكومة اللبنانية والعهد الجديد في حسم موضوع سلاح “الحزب”. ويتعدى الأمر مجرد امتناع الدول الصديقة للبنان عن تمويل إعادة الإعمار، إلى إبلاغ الرؤساء اللبنانيين الثلاثة بأن الحرب الاسرائيلية ستستكمل بأوجه أخرى، إذا لم يبادر الجيش اللبناني إلى تفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”الحزب” في كل المناطق اللبنانية. ولن ينتظر الجيش الاسرائيلي أي حوار يستثمره “الحزب” في كسب الوقت.

لذلك، دخل لبنان في مرحلة خطرة لا تُحمد عقباها، علماً أن عهد عون بدأ يتآكل بسبب افتقاره إلى الحزم، واعتماده على مهادنة “الحزب” وتطييب خاطره. وبالتالي، لا شيء من دون ثمن، والجميع يعرف أن عون أتى بدعم أميركي وسعودي لإعادة بناء الدولة، لا لبناء جسور مع “الدويلة” التي أطاحت العهود السابقة.

أما لبنانياً، فقد بدأ التململ لدى فئات كبيرة من الشعب اللبناني وأحزابه، ويبدو أنها أصيبت بخيبة أمل بعد موجة تفاؤل كبيرة، كانت معوّلة على رئيس “نظيف الكف”، إصلاحي وسيادي، وزخم دولي قد يفقده لبنان إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

واللافت أن أكثرية اللبنانيين تريد نزع سلاح “الحزب”، وهذا ما يعرفه عون وحكومته جيداً، لكن ما لا يُطمئن أن رد فعل “الحزب” لم يتغيّر، وجواب مسؤوليه لا يزال: “على جثثنا”. وهذا يعني أنه يخيّر اللبنانيين بين التنازل عن السيادة أو القتال من أجلها، كما بدا واضحاً على لسان نعيم قاسم ومحمد رعد ووفيق صفا ومحمود قماطي وغيرهم. بمعنى آخر، لقد انقلب “الحزب” على توقيعه في اتفاق وقف إطلاق النار، كما يفعل دائماً، وبالتالي هو ينوي الاحتفاظ ببنيته العسكرية وإعادة تأهيلها لجولات حرب قادمة.

يرى مصدر سياسي مطّلع أن نوايا عون حميدة، وهي تجنّب الحرب، لكنه يكرر الخطأ الأخطر في تاريخ لبنان الحديث: إجراء المصالحة الوطنية من خلال الإنكار والتعتيم والإقصاء. وما أثار جدلاً كبيراً هو أنه أحاط نفسه بمجموعة مستشارين من لون سياسي واحد، قريب من الخط الممانع، وكان آخرهم وزير الأشغال السابق المحسوب على الثنائي الشيعي، غير الاصلاحي، علي حميّة. وقد سمّاه مستشاراً لشؤون إعادة الإعمار، ما يثير الريبة، لأن هذا التعيين، بمواصفات حميّة، لا يجذب الدول التي قد تموّل إعادة الإعمار. ولا تزال تُطرح علامات استفهام حول الجدوى من تعيينه حتى اليوم.

وما يُفهم من الأداء العام لعون حتى الآن هو اعتماده معادلة: “الاستقرار… مهما كان الثمن!”.

لكن المصدر السياسي يوضح أن “هذه المعادلة لم تُنقذ لبنان من قبل. إنها تُجمّد الصراع فقط، بينما تتراكم المظالم الجديدة. في عام 1990، انتهت الحرب بعفو عام من دون محاسبة. في عام 2005، جاء الخروج السوري من دون أي حساب وطني. وفي عام 2009، بعد أن حوّل حزب الله سلاحه إلى الداخل، قيل للبنانيين إن الاستقرار يتطلب الصمت. لا بد من الاعتراف بأن عون وسلام يتعاملان مع معضلة سلاح الحزب كما تعاملت كل العهود السابقة منذ نهاية الحرب اللبنانية، لكن ما هو مختلف اليوم أن دول القرار، ولا سيما الولايات المتحدة، ليست في وارد القبول بصفقات لبنانية داخلية، لأن الشرق الأوسط الجديد لا يقبل ببقاء سلاح للأذرع العسكرية الايرانية في أي دولة فيه”.

كل ما يحصل اليوم، يدفعنا إلى أن نتذكّر كلاماً رؤيوياً للرئيس الشهيد بشير الجميّل: “الوطن بدنا ندفع حقّه، المزرعة رح ندفع حقّها، على الحالتين في سعر، الأفضل يندفع سعر الوطن مما يندفع حقّ المزرعة”.

شارك المقال