تحوّلت غزة منذ أشهر طويلة، إلى مساحة من الركام والمعاناة اليومية، حيث تنكمش كل مقاييس الحياة أمام أهوال الحصار والقصف المتواصل. في هذا السياق الذي يعجز أي توصيف تقليدي عن احتوائه، تصبح مهمة العاملين في المجال الإنساني معركة شاقة أمام العجز. في شهادة مؤلمة تنقلها فيوليت فان بيفير، أخصائية إعادة التأهيل في الطوارئ لدى منظمة “هانديكاب إنترناشيونال”، وجه آخر من وجوه هذه الكارثة: المرضى الذين لا يُتاح لهم سوى القليل من العناية وسط انهيار المنظومة الصحية، ووجه الطواقم التي تواصل العمل على الرغم من الخطر المحدق بها.
بيفير التي عملت في غزة بين نيسان وأيار الماضيين، تنقل شهادة من قلب الجحيم الإنساني، حيث تصبح كل لفتة طبية إنقاذاً للحياة، وكل خطوة صغيرة في سبيل إعادة التأهيل انتصاراً نادراً وسط ركام الحرب. وتشرح في مقابلة على موقع المنظمة كيف أوفدت إلى غزة “كمتخصصة في إعادة التأهيل بهدف تقديم الدعم الفني لفرقنا على الأرض”. تروي: “الدخول إلى غزة كان مرتقباً في 20 مارس (آذار) تقريباً، لكن انهيار الهدنة في 18 مارس قضى بالتأجيل. تمكنت أخيراً من البقاء هناك لمدة ثلاثة أسابيع، من 24 أبريل إلى 20 مايو. كنا متمركزين في خان يونس، ثم اضطررنا للانتقال إلى الزوايدة لأسباب أمنية. الحياة اليومية مسكونة بأصوات المسيّرات والقصف المستمر والنوافذ المرتجفة… لم أعش سياقاً أكثر رهبة وحدة من قبل!
الظروف أثرت بشدة على العمل وكل تحرك يتطلب تصريحاً أمنياً في صباح اليوم نفسه، ضمن أوقات ضيقة جداً. في البداية، لم نكن نتمكن من التحرك قبل التاسعة أو التاسعة والنصف صباحاً، وكان علينا العودة بحلول الثانية بعد الظهر. قلّص هذا وقت العمل بصورة كبيرة. أما زملاؤنا الفلسطينيون، الذين يعتمدون كلياً على سيارات الجمعية لعدم وجود مواصلات عامة، فكان عليهم قطع مسافات طويلة للوصول إلى المكتب. حتى بعض مقراتنا أُخلي مؤقتاً بسبب القصف القريب.
أما الاحتياجات فهائلة.. رأيت خصوصاً حالات معقدة: بتر أطراف حديث وكسور معقدة وإصابات في الرأس وإصابات في النخاع الشوكي… هناك أيضاً كثير من المضاعفات الناتجة عن انهيار كامل في سلسلة الرعاية الصحية. مثلاً، مرضى يحتفظون بالمثبتات الخارجية لفترات طويلة لغياب المتابعة الجراحية. التقيت مراهقاً بُترت ذراعه ولم تتوافر له حتى الآن أي حلول لتركيب طرف صناعي.
وفي غزة، نقص مأساوي على مستوى المعدات.. بالكاد عشرون كرسياً متحركاً وعدد قليل من العكازات وأكثر من 1800 شخص ينتظرون الحصول على مساعدات تقنية، منهم نحو 800 شخص بحاجة إلى كرسي متحرك. الوصول إلى شمال غزة شبه مستحيل، وحتى لو توافر المخزون، لا يمكننا توزيعه. ولا منظمات إنسانية أخرى يمكنها سد هذا الفراغ؛ الجميع غارق في المعاناة نفسها ويطاردنا الشعور بالعجز: رؤية مرضى يتألمون بشدة ومعرفة أننا، على الرغم من كل الجهود، لن نستطيع توفير ما يستحقونه من مساعدة. هذا مؤلم للغاية. نحن أمام أزمة إنسانية مستمرة ومتفاقمة، وهامش التحرك ضئيل جداً. ومع ذلك، تستمر فرقنا. لأن كل لفتة صغيرة تحدث فرقاً.
في سياق بهذا القدر من القسوة، قد لا تكون إعادة التأهيل أولوية أمام صعوبات تأمين الغذاء والماء… هذا عامل ضاغط شديد ولدينا خطوط حمر لا يمكن تجاوزها في ما يخص النظافة لمنع المضاعفات، لكن من الصعب جداً الالتزام بها في ظل ظروف المعيشة الحالية: الاكتظاظ الشديد ونقص المياه وانعدام مستلزمات النظافة… نحاول توزيع أطقم النظافة على المصابين للحد من مخاطر العدوى، لكن مخزوننا نفد الآن.
أما عن التغذية، فالوضع كارثي.. نقص البروتين يبطئ التعافي ويزيد مخاطر العدوى، ويجعل جهود إعادة التأهيل أقل فعالية. لا لحم ولا بيض ولا حليب. في غزة الصراع يومي بكل معنى الكلمة (…) ما يحصل صادم والأوضاع تتدهور منذ أكثر من عام ونصف العام ومع ذلك لا شيء يوقف الحرب. أكثر ما أثّر فيّ هو صمود الناس على الرغم من كل شيء، والشعور أحياناً بأنهم تُركوا لمصيرهم. زملاؤنا الفلسطينيون يعيشون ما لا يوصف: النزوح القسري وفقدان أفراد عائلاتهم والصدمات المتكررة. ومع ذلك، يواظبون على العمل. هذه قوة عظيمة، لكنها أيضاً عبء نفسي هائل.
أما نحن فنبذل كل ما في وسعنا، لكن قدرتنا باتت متواضعة. مخزوناتنا من المساعدات التقنية شبه فارغة، الوصول إلى المناطق يزداد صعوبة، والمخاطر على الفرق والمستفيدين أصبحت تكاد لا تُحتمل. والعواقب ستكون وخيمة: كثر سيواجهون إعاقات دائمة ومضاعفات طبية خطيرة، بل مميتة حتى. ومن دون إعادة التأهيل، لن يتمكن بعض المصابين بالبتر من تركيب أطراف صناعية أبداً. آخرون سيُعانون من تقرحات ومن فقدان كبير في الوظائف الحركية… وفي سياق لا تُلبّى فيه حتى الحاجات الأساسية من طعام ومأوى ومياه، سيُصبحون أكثر هشاشة من أي وقت مضى. إنها دوّامة لا تنتهي!”.


