هزّ قرار وزارة الداخلية السورية بالإفراج عن عدد من ضباط النظام السابقين الرأي العام المحلي، وأثار موجة من الغضب الشعبي والقلق الحقوقي، خصوصاً أنه يأتي في لحظة دقيقة تمرّ بها البلاد على صعيد العدالة الانتقالية. فعلى الرغم من التأكيدات الرسمية أن الخطوة جاءت بعد “تحقيقات دقيقة” وبالتنسيق مع لجنة السلم الأهلي، تحدثت مصادر متعددة عن ضغوط سياسية ووساطات قادها فادي صقر، أحد أكثر الشخصيات المثيرة للجدل، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من تسويات تُبرم خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن أعين الضحايا ومطالب العدالة.
وقال مصدر حقوقي لموقع “لبنان الكبير”، إن “إطلاق سراح المجرمين، خصوصاً أولئك المعروفين في المجتمع بارتكابهم جرائم خطيرة، مع وجود أدلة موثقة ضدهم، ومن دون أي توضيح من الحكومة، يخلق حالة من الاحتقان الشديد لدى الضحايا، ويؤجج مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام”. وبينما تصرّ السلطات على أن بعض المفرج عنهم سلم نفسه طوعاً ضمن ما يُعرف قانونياً بحالة “الاستئمان”، تعالت الأصوات المحذّرة من أن ما يجري قد يشكّل تمهيداً لمصالحة بلا محاسبة، تُهدد مسار العدالة الانتقالية من جذوره.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر رسمي لموقع “لبنان الكبير” بأن “معظم الضباط الذين أفرجت عنهم وزارة الداخلية من العاملين منذ عام 2021، وقد سلّم نفسه طوعاً على الحدود السورية-العراقية ومنطقة السخنة، في إطار حالة الاستئمان، التي تتيح للأشخاص غير المتورطين مباشرة في القتال طلب الأمان مقابل التعاون مع السلطات الجديدة”.
وفي مؤتمر صحافي مشترك، أكد حسن صوفان، عضو اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي، أن “هؤلاء الضباط خضعوا لتحقيقات دقيقة، ولم تُسجَّل ضدهم أي تهم تتعلق بجرائم حرب”، مشدداً على أن الإفراج عنهم “يصب في مصلحة استقرار البلاد”. كما أوضح أن العديد من هؤلاء سلم نفسه، وابتعد عن المشاركة الفعلية في المعارك خلال المراحل الأخيرة من معركة ردع العدوان – معركة تحرير سوريا.
وعلى الرغم من هذه الطمأنة الرسمية، فإن ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان ما زالوا يعتبرون الخطوة مقلقة، ويرون فيها اختباراً خطيراً لصدقية العدالة الانتقالية، إذ قد تفتح الباب أمام إعفاءات جماعية تقوّض مبدأ المحاسبة، وتكرّس سياسة الافلات من العقاب.
خطوط التماس بين المحاسبة والمصالحة
يؤكد الحقوقي الدكتور فاروق الإبراهيم في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن التحدي الحقيقي يكمن في صياغة مقاربة عادلة وواقعية للعدالة الانتقالية، تتجنب الفوضى وتعزز السلم الأهلي. ويقول: “لا يمكن محاسبة مئات الآلاف دفعة واحدة من دون المساس بالأمن العام. العدالة لا تعني الانتقام، بل تقتضي وضع معايير واضحة تفرّق بين من يمكن المصالحة معهم، ومن يستحيل العفو عنهم تحت أي ظرف”.
الشارع السوري، ولا سيما أهالي الضحايا، لم يعد يحتمل المزيد من الشعارات، بل يطالب برؤية خطوات ملموسة على الأرض، بحسب الإبراهيم. ويضيف: “أخطأت الحكومة حين سمحت لشخصيات مثل فادي صقر بتصدر المشهد، على الرغم من أن له دوراً في ضبط الأوضاع بالساحل. ما نحتاج اليه الآن هو وضوح في المعايير، وقرارات حكومية سريعة ومُقنِعة”.
العدالة الانتقالية، بحسب صوفان، لا تعني محاسبة كل من خدم في مؤسسات النظام، بل الاقتصار على “كبار المجرمين ومرتكبي الانتهاكات الجسيمة”، وهي مهمة تتولاها اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية التي شُكلت حديثاً بموجب مرسوم رئاسي.
لجنة السلم الأهلي بين التهدئة والإصلاح
منذ تشكيلها، تبنّت اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي سياسة “العمل بصمت”، بحسب صوفان. فالمصالحات المجتمعية، وتسويات الملف الأمني، وحقن الدماء، كلها تجري بعيداً عن الاعلام تفاديًاً لنسف الجهود أو التحريض الشعبي.
للجنة مساران متوازيان: مسار السلم الأهلي الآني، ومسار العدالة الانتقالية الطويل الأمد. ويقول صوفان: “ما ننجزه على الأرض لا يمكن قياسه، فنحن نوقف فتناً وشيكة، ونفكك احتقانات مزمنة، أحياناً بكلمة أو وساطة”.
ويؤكد أن عمل اللجنة لا يتعارض مع جهود الحكومة في ملاحقة المجرمين الحقيقيين، خصوصاً في قضايا الخطف أو الإرهاب، بل يُكملها من زاوية مجتمعية. لكنه يُقرّ في الوقت ذاته بأن الإفراج عن الضباط لا يجب أن يُقرأ كتنازل، بل كجزء من خريطة أوسع تتطلب تضحيات مشتركة لضمان الاستقرار.
ومع استمرار الجدل، تتضح ملامح معادلة صعبة: دولة تبحث عن استقرار لا ينهار من الداخل، وشعب يطالب بعدالة لا تُؤجل. وبين هذين القطبين، تبقى مهمة اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات.


