أصوات الحفر وزحف الجرافات… تحاصر أهالي الجنوب بالخوف

فاطمة البسام
الجنوب اللبناني

لا يمرّ يوم في الجنوب اللبناني من دون أن يُسجّل خرق جديد لسيادة الوطن من العدو الاسرائيلي، الذي يمعن في تعدّياته البرية والجوية ضارباً عرض الحائط بكل القرارات الدولية والمواثيق الأممية. وفي خرق جديد يُضاف إلى سجل الانتهاكات المتواصلة منذ أشهر، اجتازت جرافتان تابعتان للجيش الاسرائيلي، الجدار الفاصل والخط الأزرق في بلدة كفركلا – قضاء مرجعيون، وقامتا بأعمال تجريف وفتح طريق امتدت لحوالي 100 متر داخل الأراضي اللبنانية، قبل أن تنسحبا عند الرابعة فجراً.

هذا التطور يُعدّ انتهاكاً سافراً للسيادة اللبنانية ولقرارات الأمم المتحدة، ويأتي بعيداً عن النقاط الخمس الاستراتيجية التي أبقى فيها الاحتلال جنوده حتى اللحظة. ويعكس استمرار إسرائيل في هذه الممارسات نيّتها الواضحة في فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل صمت دولي مريب، وعجز رسمي عن ردع هذه الخروق.

في موازاة هذا التصعيد، علم موقع “لبنان الكبير” من شهود عيان على مقربة من تلة الحمامص – الواقعة جنوب بلدة العديسة بالقرب من الخط الأزرق – أنّ الجيش الاسرائيلي يقوم بتحصينات إضافية في الموقع العسكري المستحدث قبل أشهر. ووفق الشهود: “يمكننا رؤية مواد البناء والحديد والكتل الاسمنتية بالعين المجرّدة، يقوم العدو بتحصين موقعه يومياً ويبدو أنه يستعد للبقاء طويلاً. وتُعتبر هذه التلة واحدة من النقاط الحسّاسة التي تشرف مباشرة على بعض المنازل والمزارع اللبنانية، ما يفاقم الشعور بالتهديد الدائم لدى الأهالي”.

شهادات السكان القاطنين في محيط هذه المواقع تعكس حجم الخوف والتوتر الذي يعيشونه يومياً. بين أصوات الحفر ليلاً، وزحف الجرافات نهاراً، والخروق المتكرّرة، تترسّخ في وجدان الأهالي مشاعر عدم الاستقرار والخوف من المجهول.

تقول أم حسين، وهي ربّة منزل تقطن في كفركلا، لموقع “لبنان الكبير”: “نعيش على أعصابنا. في كل مرة نسمع فيها صوت جرافة أو إطلاق نار، نشعر أن الحرب ستندلع في أي لحظة. أطفالنا لا ينامون ليلاً، ونحن لا نعرف إلى متى سنبقى صامدين”. وتتابع: “المشكلة أن لا خيار لدينا، لا نملك بيتاً آخر، ولا قدرة لنا على النزوح. هذه أرضنا، ولكنها تحوّلت إلى فخ مفتوح”.

أما جاندارك، وهي من سكان بلدة سردة المسيحية الواقعة في قضاء مرجعيون، فتصف لموقع “لبنان الكبير” حالة الذعر التي يعيشونها يومياً بسبب الدوريات وعمليات التمشيط التي ينفّذها العدو الاسرائيلي في محيط البلدة. وتقول: “الحياة توقّفت عندنا، لا نستطيع أن نعيش بصورة طبيعية. عند الساعة الرابعة بعد الظهر يبدأ التمشيط، وتشتدّ حدّة الاستهدافات. يمشّطون الطرقات بين الأحياء والبساتين برشاشاتهم، وكأننا في ساحة حرب مفتوحة”. وتضيف: “الخطر يلاحقنا في كل لحظة، الموت قد يقع في أي ثانية، ولا أحد يسمع صرختنا. نحن مواطنون نريد فقط أن نعيش بسلام”.

ويقول أبو علي، أحد المزارعين في كفركلا: “منذ أشهر لم أعد أذهب إلى أرضي الواقعة بمحاذاة السياج، لا أطمئن إلى وجودهم القريب، وكل مرة أقترب يُطلقون طلقات تحذيرية في الهواء. نحن رهائن في بيوتنا”.

أهالي الجنوب، الذين خبروا الحروب والاحتلال، يعيشون اليوم حالة قلق دائم، تُذكّرهم بتجاربهم السابقة. لكنّ ما يفاقم الوضع، هو شعورهم بأنهم تُركوا لمصيرهم، بلا حماية فعلية، ولا ضمانات حقيقية تكفل سلامتهم.

ويبقى السؤال مطروحاً: إلى متى سيستمر العدو الاسرائيلي في استباحة السيادة اللبنانية تحت مرأى المجتمع الدولي؟ ومتى تتحوّل صرخات الأهالي من تحذير إلى فاجعة لا يمكن تداركها؟

هذه الاعتداءات لا تطال السيادة الوطنية وحسب، بل تُهدد بصورة مباشرة حياة المدنيين، وتفرض على سكان القرى الحدودية نمط عيش قسرياً، قائماً على الترقب، والخوف، والتأقلم مع خطر دائم اسمه “الحدود”.

يذكر أن النقاط الخمس في الجنوب، أو ما يُعرف أيضاً بالنقاط الخمس التي لن ينسحب منها الاحتلال، هي مواقع استراتيجية في جنوب لبنان اختارتها إسرائيل للاحتفاظ بها، بحسب تقارير إعلامية، كجزء من استراتيجية أمنية، وتقع على طول الحدود مع إسرائيل، وتهدف إلى توفير حماية للمستوطنات الاسرائيلية الشمالية ومراقبة الحدود اللبنانية.

شارك المقال