بعد الحرب: صحة الجنوبيين في خطر

نور فياض

لا تنتهي الحروب بانتهاء القصف، بل تترك آثارها على صحة الناس ونفسيّتهم لفترات طويلة. في لبنان، زادت الحرب الأخيرة الضغط على نظام صحي كان يعاني أصلاً من صعوبات كبيرة، فارتفعت معدلات الأمراض المعدية واضطرابات الصحة النفسية، كما تأثرت صحة القلب والجهاز التنفسي لدى السكان.

تؤثر الحرب أيضًا على الجهاز العصبي والنفسي، إذ يؤدي سماع صوت الطائرات الحربية أو الانفجارات أو الأخبار الصادمة إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما يرفع سرعة نبضات القلب ومستوى السكر في الدم ويزيد التوتر اليومي. وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في مناطق النزاع يكونون أكثر عرضة للإصابة بالسكتات الدماغية والجلطات القلبية، مع مخاطر قد تكون طويلة الأمد.

في هذه الظروف، يعيش المواطن الجنوبي تجربة يومية مليئة بالتحديات الصحية والنفسية، فكيف أثرت هذه الحرب على صحتهم؟ وما هي الآثار التي قد تستمر في المستقبل؟

أظهرت دراسة علمية حديثة أعدّها فريق بحثي لبناني بقيادة الدكتورة فرحات والدكتور زاهي عبد الساتر وزملائهما، ونُشرت في مجلة Frontiers in Public Health، أنّ التداعيات الصحية لحرب تموز 2006 ما زالت مستمرة حتى اليوم، بعد مرور أكثر من 16 عاماً على انتهائها. وقد تابعت الدراسة أوضاع 341 مصاباً مدنياً عولجوا في ثلاثة مستشفيات لبنانية رئيسية، وجمعت بياناتهم الطبية حتى عام 2022، في واحدة من أوسع الدراسات التي تناولت الأثر الصحي طويل الأمد للنزاعات المسلحة في لبنان.

وبيّنت النتائج أن غالبية المصابين جاؤوا من المناطق الجنوبية الأكثر تضرراً، مثل صور وبنت جبيل والنبطية ومرجعيون والبقاع الغربي، في ظل تدمير ما بين 50 و70% من المراكز الصحية الأولية في تلك المناطق خلال الحرب. وكشفت الدراسة أن الإصابات التي خلّفتها الحرب تركت تداعيات صحية ونفسية عميقة وطويلة الأمد على المدنيين، حيث تصدّرت إصابات الأطراف والرأس والعنق المشهد، وتبيّن أن معظمها ناتج عن الانفجارات والغارات الجوية التي طالت المنازل والطرقات. كما أظهرت أن شريحة الشباب كانت الأكثر تضرراً، فيما عانى عدد كبير من المصابين لاحقاً من آلام مزمنة، وإعاقات دائمة، واضطرابات نفسية شديدة، إضافة إلى انعكاسات اقتصادية ومعيشية مستمرة، حتى بعد مرور أكثر من عقد على انتهاء الحرب.

وأشارت النتائج أيضاً إلى تفاوت كبير في مستوى الرعاية الصحية وكلفة العلاج بين المستشفيات، رغم أن وزارة الصحة تكفّلت بمعظم النفقات، وذلك في ظل غياب خطة طوارئ وطنية متكاملة وسجل صحي موحّد للإصابات. وحذّرت الدراسة من أن ضعف الجهوزية الصحية، ونقص التجهيزات، وضعف التنسيق بين المؤسسات الطبية وأجهزة الطوارئ، يزيد من حجم الخسائر البشرية ويضاعف المعاناة طويلة الأمد للضحايا، مؤكدةً أن أي حرب جديدة ستفاقم العبء الصحي والاقتصادي على لبنان ما لم تُعالج هذه الثغرات بشكل جذري.

وفيما يتعلّق بالحرب الأخيرة التي شهدها لبنان، لا توجد إحصاءات حديثة لدى وزارة الصحة حول ارتفاع نسب الأمراض، إذ تشير إلى أن نتائج الحرب وتأثيرها على صحة المواطن لا يمكن رصدها إحصائياً إلا بعد مرور فترة معيّنة على انتهائها.

في هذا السياق، يقول رئيس طبابة قضاء صور الدكتور وسام غزال، عبر موقع “لبنان الكبير”، إن: “هناك ما يُعرف بتأثير الحرب غير المباشر على الصحة، وهو لا يقل خطورة عن الإصابات المباشرة. فبعض الأمراض تظهر سريعاً بعد الحروب، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى سنوات ليظهر. نحن نتحدث هنا عن آثار الأسلحة المحرّمة دولياً، مثل الفوسفور الأبيض، الذي يؤثر مباشرة عبر الاستنشاق أو من خلال الحروق، إضافة إلى الغازات السامة التي يخلّفها القصف، والتي تترك آثاراً خطيرة على الجهاز التنفسي قد لا تظهر فوراً، بل بعد فترة زمنية.”

ويشير غزال إلى أنه: “بدأنا نلاحظ اليوم انعكاسات نفسية واضحة، خصوصاً لدى الأطفال، أبرزها السلس البولي الناتج عن الخوف والقلق الشديدين. كما تعاني العديد من الأمهات من تراجع المستوى الدراسي لدى أطفالهن، وتشوش الذهن وضعف التركيز، خاصة في المراحل الابتدائية والتكميلية، وهو تأخر دراسي مرتبط بشكل مباشر بالضغوط النفسية التي فرضتها الحرب.”

أما على المستوى الجسدي، فيؤكد غزال أن: “لاحظنا ازدياداً في حالات السكري لدى فئة الشباب خلال الفترات المرتبطة بالحرب، ويرجّح أن يكون التوتر الشديد والقلق المزمن من أبرز العوامل المحفّزة لظهوره، فغالبيتهم غير مهيئين لهذا المرض، إنما نتج ذلك بسبب التوتر. كما أنّ الخوف المستمر، ونقص النوم، والإجهاد النفسي عوامل تساهم كذلك في ارتفاع معدلات أمراض الضغط وأمراض القلب، وهي أمراض متوقَّعة عالمياً في سياق النزاعات المسلحة، إضافة إلى ازدياد الاضطرابات النفسية التي تُعدّ نتيجة طبيعية لمناخ الحروب.”

ويلفت إلى أن: “تشير دراسات علمية إلى أن استنشاق الغبار الناتج عن رفع الأنقاض والردم بعد القصف قد يؤدي إلى أمراض رئوية مزمنة. وقد نُظّمت ورش توعوية للعاملين في فرق الإسعاف والإنقاذ شددت على ضرورة حماية العينين والأنف والفم، إذ تؤكد الأبحاث أن هذا النوع من التعرّض قد يسبب أمراضاً مثل الربو والالتهابات المزمنة، وقد يتطوّر لاحقاً إلى السرطان.”

ويضيف: “نُشرت دراسات بعد عشر سنوات من حرب تموز 2006، وتحديداً عام 2016، بيّنت — وفق معطيات وزارة الصحة — أن نسبة استهلاك أدوية السرطان في جنوب لبنان كانت الأعلى على مستوى البلاد، وهو مؤشر خطير يعطي فكرة عن العلاقة المحتملة بين الحرب وظهور الأمراض الخبيثة بعد سنوات طويلة. وبالتالي، فإن تقييم التأثير الصحي لحرب 2024 بدقة لن يكون ممكناً قبل عام 2035 وما بعده، حين تبدأ النتائج التراكمية بالظهور بشكل أوضح.”

في بلد تتكرّر فيه الحروب بشكل دائم، لا تكون نهاية القصف نهاية المعاناة، بل بداية مسار طويل من الألم الذي يتسلّل إلى الأجساد والنفوس معاً.

ما عاشه ويعيشه أهل الجنوب ولبنان اليوم يشكّل تجربة مريرة ستترك آثارها لسنوات، وربما لعقود قادمة، والسبب واضح، وهو وجود كيان مجرم على حدودنا لا يعرف سوى لغة القتل والنار.

شارك المقال