على عتبة الجفاف اللبناني

سياسة 27 كانون الأول , 2021 - 12:03 ص

 

يعدنا العام 2022 بتفاقم أزمات العام المنقضي وبالمزيد من التفكك في المؤسسات العامة وفي العلاقة بين القوى السياسية، وصولا، ربّما، إلى مسافات من التباعد بين أبناء الشعب اللبناني.

ويتظهّر انعزال موقع لبنان، أكثر فأكثر، بين سوريا الغارقة في مشاكلها وإسرائيل المحكومة من جماعات متعصّبة عاجزة عن انفتاح حقيقي على العالم العربي، على الرغم من مظاهر الإعتراف والعلاقات الديبلوماسية والتطبيع. كما أن هذه الجماعات الحاكمة في القدس المحتلة تخسر شيئا فشيئا ثقة حلفاء إسرائيل الغربيين بل حتى ثقة يهود الولايات المتحدة الذين صاروا يحتقرونها من دون أن يعلنوا ذلك.

ولبنان المنعزل هذا تتقطّع صلاته مع محيطه العربي القريب والبعيد، خصوصاً مع دول مجلس التعاون الخليجي التي يربطه بها تاريخ من التعاون الإنساني والإقتصادي. ولا تشكّل إيران بديلاً فهي، مهما كانت النيّات، تجلب عداوات العرب والعالم وتسبّب ضربات موجعة للانفتاح اللبناني السياسي والثقافي والاقتصادي. ولعل الأكثر إحساسا بهذه العداوات هم المغتربون اللبنانيون الذين تتضرّر صورتهم في أنحاء العالم.

في عام 2022 يصل الجفاف الإنساني في لبنان إلى ذروته، ولا يجد من يعبّر عنه في وطن اشتهر بإنجازات مبدعيه في الفكر والفن والأدب. وقد كان للأدب والغناء والمسرح والنقد حضور واضح في محطات الأزمة اللبنانية المديدة منذ العام 1975 لكننا نفتقد هذا الحضور في أيامنا هذه إذ يخرس المبدعون ويغيب الدارسون، ويكاد لبنان يبدو بلداً بلا مثقفين وشعباً مستسلماً لأقداره، يتعذّب بصمت ويهاجر بصمت ويموت بصمت أيضا.

سألت شاعرا لبنانيا عن أسباب الخرس هذه، فأجاب أنه لا يريد أن يكرّر نفسه، فهو الذي استشرف ما يحدث الآن منذ الطلقة الغبيّة الأولى عام 1975 لا يرغب بالتكرار، فلا جديد في لبنان سوى التكرار وافتقاد الجدّية.

والسياسة أيضا واقعة في التكرار وقد تحايل زعماء الحرب على اتفاق الطائف فنزعوا عنه أبرز ايجابياته، وهي انتخاب برلمان غير طائفي وإحالة تمثيل الطوائف على مجلس الشيوخ. وبهذا التحايل استمر نفوذ الزعماء في فترة السلام التي تلت فترة الحرب، وانتقل الصراع من القتل والتدمير إلى التنافس على نهب المال العام واقتسامه بعد صراعات على الحصص.

من هنا ينسحب التكرار حتى على أسماء زعامات الطوائف ومؤسساتهم الميليشياوية، فالمشهد عينه نراه منذ اندلاع الحرب الأهلية قبل 46 عاماً، حتى إذا توقّعنا الأمل بثورة 17 تشرين المدنية و"كلن يعني كلن" سرعان ما اكتشفنا الضعف البنيوي لهذه الثورة، ليس بسبب ارتباطها الخارجي كما يروّج أخصامها، إنما ، بالتحديد، بسبب الفراغ الهائل في مجال تجدد القيادات السياسية، وهذا الأمر ناتج عن قرار حديدي اتخذه زعماء الميليشيات الطائفية بمنع نشوء وتحرك قيادات جديدة، ويتم ذلك بتهديد الطامحين ودفعهم إلى العزلة أو إلى الهجرة، وقد يتم إسكاتهم أحياناً بالقتل العمد كما في جرائم مشهودة لا تحظى بشهادة أحد.

هذه الصورة للبنان انكشفت أمام العالم كله، خصوصا بعد الإنهيار الاقتصادي، فبدأت أصوات حاكمة في فرنسا والولايات المتحدة، فضلا عن الأمين العام للأمم المتحدة، تلقي مسؤولية الإنهيار اللبناني على الزعماء القابضين على شؤون الدولة وترى أن الإصلاح يبدأ من إدانة هؤلاء.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us