هل يعود رفيق الحريري؟

سياسة 26 كانون الثاني , 2022 - 12:19 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

كُلِّف رفيق الحريري بتشكيل الحكومة الرابعة في عهد الياس الهراوي الذي شهد المرحلة الإنتقالية في السياسة والنظام والإقتصاد عقب الحرب الأهلية وإقرار اتفاق الطائف وانطلاق ورشة الإصلاح والإعمار برعاية سعودية - سورية أمنت نجاح انطلاقة لبنان نحو التجدد آنذاك بمباركة أميركية ومظلة فرنسية، لم يكن يومها نائباً أو رئيساً لتيار سياسي بل دخل عالم السياسة من بابها الأعرض عبر السراي الحكومي واستمر في الحكم ما بين 1992 و1998 ثم ترشح للإنتخابات النيابية وتربع على رأس كتلة نيابية رسّخت زعامته السنية والوطنية عام 1996. خرج من قلعة الحكم إلى ميدان المعارضة بوجه إميل لحود والوصاية السورية عام 1998 ليخوض بعدها المعركة الاستفتائية ويعود زعيماً منتصراً ليكمل وبقوة مشروع الإنسان عام 2000. فهل يكرر سعد الحريري تجربة التراجع خطوة إلى الوراء ليعود ويتقدم بقوة رفيق الحريري وفكره نحو مشروع لبنان الجديد؟

أجرى الرئيس السابق إميل لحود استشارات نيابية لم يُفهم إن كانت ملزمة كما حددتها المادة 53 الفقرة 2 من الدستور، شفهياً كلّف الرئيس رفيق الحريري الذي أعاد إليه التكليف وشفهياً أيضاً، خاض يومها الحريري معركة حماية الدستور الذي ينص صراحة على إجراء استشارات نيابية ملزمة يكلف بموجبها رئيس تشكيل الحكومة لكن اثر قيام 31 نائباً بإيداع صوتهم لدى الرئيس لحود ليصوّت به إلى جانب الخيار الذي يرتئيه، ثار رفيق الحريري على ما اعتبره مخالفة دستورية مصراً على تسميته من قبل نواب الأمة، وعلى الرغم من نيله 83 صوتاً أي بمعدل 70% من مجلس النواب إلا أن حماية الدستور والتوازن الوطني كانا فوق اعتبارات السلطة بالنسبة إلى رفيق الحريري، عندها خرج من عرين الحكم ماضياً في طريقه نحو الاستعداد إلى خوض معركة الشرعية والتعددية والدولة، وهكذا عاد رفيق الحريري مطيحاً كل المؤامرات التي حيكت لابتلاع الحريرية السياسية التي وضعت أسس مستقبل لبنان الحديث مرسخاً حكمه بقوة الشعب عام 2000.

اليوم وعلى وقع تعليق سعد الحريري عمله السياسي والفارق اصطلاحاً هنا شاسع بين التعليق والتوقف، معلناً عدم الترشح وتياره للإنتخابات النيابية المقبلة، وكان قد استبق إعلانه هذا بالتحدث عن أهمية التراجع خطوة للتقدم خطوات في السياسة.

الحريري الابن وصل إلى مرحلة اليأس السياسي في لحظة إعادة رسم خريطة منطقة الإقليم والعالم يضج على وقع مرحلة التسويات المنتظرة، قرف، خيبات ووعود فارغة، اختطاف حزب الله لقرار الدولة بقوة السلاح وتفتيت علاقاته مع الأشقاء العرب، متابعة ميشال عون حربه على الطائف عبر ضرب الدستور بفرض أعراف تهوّرية، مواقف شعبوية ذات مصالح آنية تنتهي عند تحصيل تعيين إداري من هنا أو مقعد نيابي من هناك، ليعود ويتحمّل سعد الحريري مسؤولية خراب البصرة.

لا شك أن التاريخ سيكتب بالحروف الذهبية ما نجح به سعد الحريري في إكمال مسيرة والده إذ قال:

"‏مشروع ‎رفيق الحريري يمكن اختصاره بفكرتين،

أولاً: منع الحرب الأهلية في ‎لبنان.

ثانياً: حياة أفضل للبنانيين.

نجحت في الأولى، ولم يكتب لي النجاح الكافي في الثانية".

وها هو بكل جرأة سياسية ومرارة روحية لما أصاب لبنان وأهله من نكبات شاملة، يخرج سعد الحريري من السلطة على المستويين الوزاري والنيابي إلى رحاب المعارضة السياسية من البيت الذي استشهد سيده ليبقى مفتوحاً في وجه مَنْ لم يكفّْ يوماً عن إسقاط مفهوم الدولة والمواطنة بالتكافل والتضامن بين حزب الله والتيار الوطني الحر، تاركاً ميدان المواجهة الوزارية والنيابية في وجه الخاطفين إلى ذوي العضلات القوية الذين يرفعون شعار التحرير واستعادة الهوية والعروبة ولا شك اليوم سيتكاثرون في لحظة كبوة الجواد الذي يتموضع خطوة إلى الخلف لينطلق بقوة نحو الأمام حيث سينتظره أصدقاء سعد الحريري والمعتصمين بحبل مشروع رفيق الحريري، لكن السؤال هنا وفي حال أجريت الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري وفازت قوى التحرر والعروبة المستجدّين، ألن تنتهي مهرجانات المزايدة البطولية والتنظير المواجهاتي ويتفاوضوا مع عدوهم المفترض حزب الله للدخول إلى السلطة تحت شعار المعارضة من الداخل؟

وبعيداً عن حكاية الميثاقية فإن احتمالية تطيير الانتخابات واردةٌ تماماً كما إجراؤها والتي لا بد سيتحمل مسؤولية تطييرها سعد الحريري وإن خرج من السلطة فهو مَنْ باع فلسطين وأشعل الحرب الأهلية وتعامل مع إسرائيل...

قد يغيب رؤساء الحكومة والبيوتات السنّية التاريخية عن المشهد النيابي، وربما يفضي هذا التغيب إلى العودة متراصاً وتشكيل جبهة سياسية ترسم خريطة طريق لمستقبل لبنان السياسي والإقتصادي وحتى التشريعي، يؤسسون ائتلافاً نيابياً سنّياً ووطنياً سيادياً يحمي الدستور ويدافع عن الدولة ويشد أواصر الأخوة العربية، يمنع العبث في الساحة السنّية والمتاجرة بخياراتها ومصالحها وتختار مَنْ يمثلها في الرئاسة والوزارة والإدارة منعاً لمصادرة تمثيلها وتصويباً للتوازن السياسي الوطني والميثاقي.

إذاً لا شك أن لخطوة تعليق العمل السياسي الحريرية هذه نتائجها السياسية ستتظهّر في المستقبل القريب فإما أن يكون خياراً استراتيجياً اتخذه سعد الحريري بالتوازي مع المتغيرات التي يرتقبها الإقليم ليعود بعد ذلك بحصاد سياسي مثمر يلاقيه جمهوره ومؤيدوه إليه، وإما تضيع الطائفة السنّية المعتدلة في متاهة الغليان الجاري في المنطقة على وقع انسحاب قادتها من الميدان القيادي في ظل غياب رعاتها التاريخيين ليرتفع بذلك منسوب حضور القوى المتطرفة والبائعة لمواقفها والمخالفة في بيئتها لتعرف في محيطها.

فهل يعود رفيق الحريري الذي مشى خطوة إلى الوراء عام 1998 عبر سعد الحريري منتصراً لمشروعه كما عاد في العام 2000؟

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us