العونيون ومصرف لبنان: غرام وإنتقام

عبدالله ملاعب

لا يمانع “التيار الوطني الحر” الإستفحال في تشويه سمعة لبنان، والحاق الضرر باللبنانيين في الداخل والخارج، إن كان في ذلك مكاسب داخلية يجنيها عشية الانتخابات النبايبة. فالتيار الخائف من أن ينتهي عهده ويفوته قطار تقوية نفسه في الشارع المسيحي لاسيما الماروني، ما بَرِحَ يلفّق ملفات كان أبرزها مطلع هذا الشهر، وهذا ما نفاه لبنانييون في بلجيكا حول ما صدر في اعلام “التيار الحر” عبر موقعه الذي زعم أن مصرف BNP Paris Bas أقفل حسابات كل اللبنانيين في كل فروعه حول العالم حتى الذين يحملون جنسيات أخرى، كما أقفل حسابات السفارة اللبنانية في بلجيكا. وما لبثت الجالية أن نفت هذا الخبر كما نفاه السفير اللبناني في بروكسيل فادي الحاج الذي قال في حديث صحافي ان لا حسابات للبعثة اللبنانية في هذا المصرف.

الرد على هذه الممارسات أتى من غبطة البطريرك بشارة الراعي في عظة الأحد الماضي وغمز فيها من قناة فريق رئيس الجمهورية، مطالباً بوقف الضرر بسمعة لبنان. وقال: “يجب محاسبة الفاسدين كلهم”، محذراً من “إنتقاء السلطة شخصاً واحداً والقاء المسؤولية عليه”، اضافة الى مطالبته بايقاف “الجزر القضائية” كما وصفها، والتي ذكرت كل الذين استمعوا الى العظة بالقاضية غادة عون “أميرة الجزر القضائية”. أما الرد العوني على الرد فأتى هزيلاً من قبل “الحرس القديم” في عيد مار مارون عبر هتاف “الله – لبنان – عون وبس” الذي أرادوا منه إستفزاز البطريرك الراعي قبل غيره، كالرئيس نبيه بري مثلاً.

خبر BNP Paris Bas المفبرك يأتي ضمن الحملة التي يقودوها “التيار الحر” ضد مصرف لبنان وحاكمه، في وقت تقول مصادر مقربة من مصرف لبنان لـ “لبنان الكبير”: “إن التيار الوطني الحر لطالما كان من أبرز الجهات السياسية التي استفادت من الهندسات المالية لمصرف لبنان، بل كانت له أدوار بارزة في صوغها عبر آلان بيفاني مثلاً الذي شارك بحكم منصبه كمدير عام لوزارة المال في صناعة قرارات المصرف لمدة 25 عاماً ويريده التيار الوطني الحر اليوم هو أو الوزير منصور بطيش بديلا عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة”.

وتُذكّر المصادر بأن “الإنقلاب الذي يمارسه رئيس الجمهورية وتياره على مصرف لبنان يأتي نتيجة جملة من المواجهات التي دارت بين الطرفين وكان أبرزها الخلاف حول ملف التزامات لبنان النقدية أو اليوروبوندز، وقد وقف مصرف لبنان في آذار 2020 في وجه إتخاذ قرار إعتكاف لبنان عن دفع سنداتها التي تكلف أقل من خمسة مليارات دولار، لكن قرار حكومة حسان دياب آنذاك، الذي استفحل رئيس الجمهورية وفريقه في قضمها، كان أقوى، فأخذ لبنان الرسمي قراراً بوقف دفع جميع سندات اليوروبوندز بالعملات الاجنبية في أواخر آذار من ذاك العام، ليبدأ بذلك مسار الانحدار النقدي بسبب هبوط ثقة المؤسسات النقدية العالمية بلبنان – غير الملتزم بتعهداته المالية أو السياسية – والذي فضّل إبقاء سياسة الدعم على حالها والتخلف عن دفع السندات، لتأتي تكلفة هذا القرار كارثية لاسيما وأنه صرف 13 مليار دولار على الدعم، مما عجّل في الارتطام الذي حاول رئيس الجمهورية إبعاده الى ما بعد مغادرة قصر بعبدا، لكنه ما لبث وعجّل في حصوله”.

وفي الإطار، لا يرى فريق رئيس الجمهورية ضرورة لتعديل نهجه في وزارة الطاقة، على الرغم من كل المواقف الدولية التي صدرت مُندّدةً بصفقات البواخر والعجز الكبير في قطاع الطاقة الذي يشكل الكتلة النقدية الأكبر من الدين العام اللبناني، إذ يبلغ خمسين مليار دولار، وذلك بسبب المكاسب التي يجنيها التيار من نهجه في الطاقة، وقد وقف مؤخراً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في وجهه عبر كسر رغبة وزير الطاقة وليد فياض بإقرار سلفة كهرباء جديدة لموازنة العام 2022، وأثنى صندوق النقد الدولي في بيانه الأخير بإجراءات الحكومة في ملف الكهرباء، ورأى فيها “بداية واعدة في معالجة قطاع الطاقة”.

ولا شك أن مصرف لبنان يتحمل مسؤولية ما وصل اليه الواقع النقدي للبنانيين، ولا بد من استكمال التدقيق الجنائي الذي بدأ في “المركزي”، حيث تقول مصادره ان الحاكم عازم على دعم إستكماله وتقديم الملفات المطلوبة بشأنه. وفي الوقت نفسه تبقى فرضية تبرئة “التيار الحر” من الإنهيار الكبير والهندسات المالية غير المنطقية في ظل تواجده المعزز ليس في الدولة والوظائف والقصر الجمهوري فحسب، بل أيضاً في المجلس المركزي الذي يعتبر بحسب قانون النقد والتسليف الجهة المسؤولة عن كل القرارات النقدية. فاضافة الى الوزراء العونيين والمدراء العامين الذين جلسوا الى طاولة القرار في المجلس المركزي ثمة أيضاً مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان المحسوب أيضاً على التيار. فلماذا سكت العونيون طيلة هذا الوقت؟

شارك المقال