“الامبريالية السوفياتية” الجديدة!

محمود القيسي

“إذا الشمس غرقت في بحر الغمام… ومدت على الدنيا موجة ظلام

ومات البصر في العيون والبصاير… وغاب الطريق في الخطوط والدواير

يا ساير يا داير يا ابو المفهومية… ما فيش لك دليـل غير عيون الكلام”

*الشاعر أحمد فؤاد نجم

ليس هناك أهم وأجمل وأرقى من “مقولة” جاءت في كتاب “فن الحرب” والتي تعكس بشكل واضح رؤية صن تزو وبصيرته الثاقبة: “الانتصار الحقيقي هو ألا يتم السماح أصلاً للقتال أن يقع، وأن فن الحرب هو فن السلام”… حيث أن كل الحروب التي صنعها الانسان، ليست سوى عرض من عروض فشل هذا الإنسان كحيوان مفكر. الحروب في “تجربة” أمين معلوف “اللبنانية” لا تكتفي بالكشف عن أسوأ غرائزنا، بل تصنعها. كما يسأل نفسه أحد المفكرين لمَ هو تحديداً الباقي الوحيد في حديقة السبيل، ثم ما تصنيفه في هذه الحرب “الكوميدموية”؟ لاجئ؟ رهينة؟ عميل؟ معتقل؟ مراقب أممي؟ ثم لمَ لمْ يتم تصفيته بعد؟ ففي الحروب المجنونة من لا يستطيعون تصنيفه يقومون بتصفيته. في حين يقول تشارلز سمنر: “أعطوني المال الذي تم إنفاقه في الحروب وسوف أكسو كل رجلٍ وكل إمرأةٍ وكل طفل في العالم بملابسٍ من التي يفتخر بها الملوك والملكات. سأبني مدرسةً في كل واد على كامل الأرض. سأتوّج كلّ تلّةً بمكان عبادةٍ مكرّسٍ للسلام”. تتحدث رواية “حفلة التفاهة” للكاتب التشيلي ميلان كونديرا عن أربعة أصدقاء تجمعوا في حفلة عيد ميلاد وتحدثوا عن أمور لا معنى لها: حكايات تافهة وأحداث تحمل تفاصيل عبثية ليست ذات قيمة سوى لتمرير وقت الحفلة. ومن أهم الحكايات التي تحدثوا عنها، حكاية “الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين” الذي ذهب في إحدى المرات إلى رحلة صيد حيث وجد 24 طيراً على الشجرة ولأن بندقتيه لم تكن تحمل سوى 22 رصاصة فقد قنص بها 22 طائراً وعاد إلى منزله من أجل أن يجلب طلقتين ليعود فيجد الطيرين الباقيين في انتظاره!.

قصة ستالين لم تكن سوى مزحة ولكن كونديرا يتساءل من خلال روايته عن جدوى الجدية، فإذا كانت المزحات والنكات تافهة فماذا عن الحروب والمآسي والمجازر التي تقتل ملايين الأشخاص من دون سبب، أليست التفاهة قادرة على شد الانتباه أكثر من جدية المنطق والعقل؟ وفي هذا السياق يذكر كونديرا في حواره مع البروفسور أفيناريوس: “التفاهة يا صديقي هي جوهر الوجود، إنها معنا على الدوام وفي كل مكان، إنها حاضرة حتى في المكان الذي لا يرغب أحد برؤيتها فيه: في الفظائع، في المعارك الدامية، وفي أسوأ المصائب، وهذا غالباً ما يتطلب شجاعة للتعرف عليها في ظروف درامية للغاية ولتسميتها باسمها، لكن ليس المقصود التعرف عليها فقط، وإنما يجب أن نحبها، يجب أن نتعلم حب التفاهة”. فلسفة العبثية انبثقت في الأساس من الحركة الوجودية، بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بدأ يثور التساؤل: لقد خلفت هذه الحرب الكثير من الدماء والموت والمعاناة ولم يكن هناك تدخل إلهي يوقف سيل انهمار الشرور المتدفقة وعليه ظهرت نوبة كبيرة من السخط واللاجدوى دفعت المفكرين والفلاسفة إلى البحث عن جدوى الوجود ومن هنا بدأت عملية خلق قيم أساسية للأشياء مصدرها الوجود الإنساني: فالمهم هو حياة الإنسان الفرد وحقوقه وقيمة اللذة والتمتع بالحياة… بدأت العبثية كتيار أدبي في فرنسا ومن هناك انتقلت إلى مختلف الآداب العالمية، وخاصة تلك الدول التي عانت من ويلات الحروب.

العالم أصبح بحاجة إلى نخب جديدة تدرك “التطور” الهائل في عصر الذكاء الاصطناعي وفيروس كورونا المتطور والمتحور فيسيولوجياً وايديولوجياً وسيكولوجياً واقتصادياً وسياسياً. نخب جديدة تستطيع استيعاب صراع “الإمبرياليات” على إعادة تقسيم العالم على “ميزان” تلك القوى العالمية واستعمارها الجديد لشعوب العالم الضعيفة والمستضعفة. إعادة استعمار موارد الشعوب وثرواتها. أوليس “الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية” كما يقول لينين – لينين، الثورة البلشفية، ومجلس السوفيات الأعلى، وحق الأمم في تقرير مصيرها. الثورة التي خرج من رحم أجهزتها “الستالينية” الفولاذية الأمنية فلاديمير بوتين قيصر الإمبريالية “السوفياتية” الجديدة.. بوتين… اللينيني في مكان، والتروتسكي في مكان، والراسبوتيني في عقله المخابراتي والستاليني دائماً. القيصر الذي يحب المأكولات الصينية على الطريقة الأميركية، ويحب “الحياة” على الطريقة الغربية. القيصر الذي يقدس الزواج التقليدي، ولكن دائماً ما ينام في حضن عشيقة أميركية من أصول أوروبية!. يقال في أقوال “الدم” المأثورة الأكثر شعبية يا إخوة التراب واللغة: “الدم ما بصير مي”… فكيف تحول دم رفاق الأمس، رفاق الثورة الحمراء، رفاق الأرض واللغة، رفاق الحلم الاشتراكي، مجرد قطع صغيرة من الثلج في كؤوس الكريستال على موائد العشاء الأخير، في غياب السيد المسيح، وحضور القيصر بوتين وعصبة الأرثوذكسية السياسية كلها في حدائق الكريستال المستبدة، في كرملين الثورة، كرملين الساحة الحمراء. “الأرض” يا “رفيق” رفاق الأمس القريب توُرث “كاللغة”… واللغة توُرث كالأرض.

هل نحن في صدد حروب إمبرياليات المصالح المشتركة في إحداها والعميقة في دولة الإمبريالية “المتحدة” الأخرى… الولايات المتحدة الإمبريالية؟ هل نحن في عصر “الهيمنة الثقافية”؟ كما يقول أنطونيو غرامشي، هل الطبقة الحاكمة على مجتمع متنوع ثقافياً مجرد مناورة على ثقافة ذلك المجتمع ـ- المعتقدات، التفسيرات، التصورات، القيم والأعراف ـ- بحيث تفرض وجهة نظر هذه الطبقة التي تصبح المعيار الاجتماعي المقبول؛ أي الأيديولوجية السائدة التي تعتبر صالحة لكل مكان وزمان، وتبرر الوضع الراهن الاجتماعي، السياسي والاقتصادي كأنه الوضع الطبيعي والحتمي، الأزلي والمفيد للجميع بدلاً من كونه بنية اجتماعية مصطنعة لا يستفيد منها سوى الطبقة الحاكمة؟ هل أصبحت “الثورة” مجرد كذبة تاريخية يصنعها الأغنياء كي يكتوي ويموت في نيران حروبها الفقراء وأبناء الفقراء؟ هل ينطبق على أوكرانيا تسمية الجغرافيا الملعونة، أو الغبية، أو في حقيقة الأمر الجغرافيا المخطوفة من اليمين المتطرف الذي يضع بلاد الجيوبوليتيك الأكثر استراتيجية في أوروبا الشرقية والغربية بين فكي مصالح رأس المال المالي في بلاد سام من ناحية، وبلاد القيصر من ناحية فك الكماشة الآخر؟ هل أصبحت أليغارشية رأس المال المالي وقيمته الزائدة والناقصة آباء الدولة الكونية العميقة؟ هل أصبحت الشعوب مجرد أرواح ميتة ومجرد “صفر” على الشمال، دون أن يدروا، أو يدروا هؤلاء الأليغارشية أن الروح يستحيل تفسيرها، هي أشبه بالرقم صفر، الصفر يعني لا شيئ هو رقم ملحد! وعلى الرغم من أنه لا شيئ، إلا أنه يقلب كل شيئ، فاذا ضربنا أكبر الأرقام على صفر فالنتيجة صفر، والمفارقة هنا كيف يمكن للاشيئ أن يحدث هذا الفارق وأين تتلاشى أكبر الأرقام معه؟ وكذلك الحال إذا قسمنا أي رقم على صفر تكون النتيجة دوماًerror ، هذه معضلة الصفر والروح، ومعضلة كيفية شرح رواية “الأخوة الأعداء”، أو “الإخوة كارامازوف”، رائعة ديستويفسكي “العليا” كما وصفها آلبرت آينشتاين، الرواية التي طالبت تاريخياً بمعاقبة وانزال القصاص بالأخ، أو الاخوة “الخونة”، والرفاق… “الإمبريالية” ظاهرة إقتصادية سياسية عسكرية تتجسد في إقدام الدول القوية في العصر الحديث أي – الرأسمالية الصناعية – على التوسع وفرض سيطرتها على الشعوب ومواردها وأراضيها من دون رضى تلك الشعوب وبهدف إستغلالها وإخضاعها ونهب ثرواتها. وكثيراً ما تتضمن عملية فرض السيطرة استخدام العنف والاحتلال العسكري الذي يأخذ في أحيان كثيرة طابع الإبادة الشاملة من بشر وحجر من أجل تمكين الاحتلال والاستيطان والهيمنة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية للدولة الإمبريالية.

تلاحظ النخب وأصحاب الفكر التقدمي والإنساني أنه حين تتم الدول الإمبريالية تقسيم العالم، وهذا ما أنجزته في مطلع القرن العشرين، ولا يبقى مجال لمزيد من التوسع حينئذٍ تدخل الدول الإمبريالية في مرحلة صراع في ما بينها كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية مروراً بالحروب التي أنهكت شعوب العالم في القارة الافريقية وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط والهند الصينية، و”الألغام” السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والارهابية، والألغام الجيوسياسية والديمغرافية، وصولاً الى ما يجري الآن من حروب الموت العبثية في أوكرانيا اليوم، وتايوان “غداً”، وغداً لناظره قريب… من دون أن يغيب عن بالنا اتحاد وتحالف الإمبرياليات المضادة والمتصارعة قديماً كما حدث بين دول المحور الإمبريالية من ناحية ودول الحلفاء الإمبريالية من الناحية الأخرى في الحرب العالمية الثانية والتي بكل أسف لن تكون الحرب العالمية الأخيرة، بل، حروب لـ”ثنائيات” وتحالفات ومحاور إمبريالية جديدة وحديثة “مضادة”. ولقد أشارت بعض الدراسات والبحوث والمواقف التاريخية إلى عملية التناقض الجدلي الذي يؤدي إلى تفجر الظاهرة الإمبريالية إلا أنه لا بد من القول ان ما جاء في معظم تلك الدراسات والبحوث والمواقف النخبوية والشعبوية في هذا المجال اتسم بشيئ من التبسيط والاستعجال في الحكم والتقليل من قدرة الإمبريالية على التكيف والتجديد تحت قيادة الرأسمالية/ الإمبريالية الجديدة والمستجدة والحديثة في عصر الثورة العلمية التكنولوجية وصولاً الى عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي. ولكي نلم بمجمل الظاهرة الإمبريالية وبطبيعة أزمتها وبظروف اضطرارها إلى التكيف والتجديد ونشوء ما يسمى بالاستعمار الجديد والحديث، لا بد من تتبع مراحل تطورها انطلاقاً من خضوعها لقانون الجدلية وحملها لبذور زوالها وتناقضاتها في نواتها ومنذ ولادتها…

من وحي الحروب والدمار وأسر النساء والأطفال وقتل الشعوب، من وحي المعارك الكبرى والحرائق الكبرى وموت الكائنات، من وحي أن تلفظ الأزهار والفراشات أنفاسها الأخيرة، أو تختبئ في بطن الأرض، في بطن أمها الأرض، من وحي النزاعات والمآسي وتشويه وجه الانسان، وتشويه وجه الطبيعة، وتشويه وجه الله، كتب آرنست همنغواي صاحب كتاب “لمن تقرع الاجراس”، “الشيخ والبحر”، “وداعاً للسلاح”، “الوليمة الكبرى” يقول: “هذا المساء ينام الأموات في البرد، وسينامون في البرد طوال هذا الشتاء بينما الأرض تنام بجانبهم. لا يحتاج الأموات إلى قيامة فهم الآن جزء من الأرض، والأرض لا يمكن غزوها والاستئثار بها بأي حال من الأحوال، لأنها أبدية، وستبقى حية بعد زوال الاستبداد، وستبقى حية بعد زوال الطغيان، وستبقى حية بعد زوال الاستبداد والطغيان!”.

شارك المقال