المنطقة الآمنة!

سياسة 2 حزيران , 2022 - 12:01 ص

 

ثمة أسباب ودوافع عديدة تشجع اليوم حكومة أنقرة على تشديد مطالبتها بإقامة منطقة آمنة في شمال شرق سوريا متوخية استيعاب مليون لاجئ سوري في تركيا.

أولاً، شرعنة تمددها ونفوذها العسكري في سوريا، وتسخير تلك المنطقة لقطف بعض المنافع والثمار عبر ربط هذه البقعة الجغرافية، اقتصادياً وأمنياً وتعليمياً بها، كما فعلت في كل موقع احتلته عسكرياً من سوريا، والأهم استخدام هذا الخيار كورقة قوة لتحصين شعبيتها مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في مواجهة محاولات المعارضة التركية ركوب موجة العداء المتنامي في الأوساط الشعبية ضد اللاجئين السوريين وتحميلهم تبعات الأزمات التي يعاني منها المواطن التركي، فكيف الحال مع ما يثار عن استعداد حكومة أنقرة للقيام بعملية عسكرية جديدة في سوريا لتوسيع قطاع سيطرتها إلى شريط حدودي بطول 80 كيلومتراً وبعمق يتراوح بين 30 و40 كيلومتراً؟ وكيف الحال حين يطلق خيار المنطقة الآمنة رصاصة جديدة على خيار "صفر مشكلات" الذي كانت تعتمده سلطة أردوغان، ويظهر استمرار اندفاعها الى اللعب بالأوراق الخارجية لتحسين شعبيتها، بعد الانحسار الذي أصابها جراء ما يعصف بالاقتصاد التركي من مشكلات متراكبة تتعلق بانحسار الاستثمار والسياحة وتراجع قيمة الليرة والقدرة الشرائية، ما انعكس بمثالب معيشية واهتزاز الثقة بهذه السلطة، ربطاً بتسرب معلومات عن ظواهر فساد طاولت مقربين لأردوغان وبعض أفراد أسرته؟

ثانياً، محاولة تغيير التركيبة السكانية في شرق سوريا وشمالها، وتوظيف المنطقة الآمنة كشريط عازل على طول الحدود لوأد احتمال استقرار الادارة الذاتية لقوات سوريا الديموقراطية هناك بما يفضي إلى تحجيم الحضور السياسي الكردي، ومحاصرة تشكيلاته العسكرية وإجهاض فرصته لإقامة كانتون قومي على الحدود، من دون أن نغفل رهانها على وضع بذور خلافات وصراعات بين اللاجئين العائدين في المنطقة الآمنة والسكان الأصليين، والمثال مدينة عفرين، لإجبارهم الأخيرين على الهجرة وإحلال جماعات أهلية موالية لها مكانهم، وفي الطريق إضعاف وزن حزب العمال الكردستاني على الصعيد الداخلي، عبر تعزيز مواجهته عسكرياً وقمع ناشطيه وتطويع ملحقاته السياسية ووسطه الانتخابي، بما في ذلك محاصرة نواب حزب الشعوب الديموقراطية المقربين منه، وتأليب الرأي العام ضد الأكراد بصفتهم الخطر الأكبر على الدولة التركية.

ثالثاً، تحويل المنطقة الآمنة إلى ما يشبه القاعدة لتجميع الهيئات والكوادر السياسية السورية المقربة من حكومة أنقرة ولتجميع مسلحي المعارضة والمتطوعين والمنشقين عن الجيش وتأهيلهم ليس لمواجهة النظام وحسب، وإنما أيضاً لمساندة تدخل أنقرة العسكري في غير مكان، كما حصل في ليبيا وناغورني كاراباخ، إنتهاءً بالرهان على إدارة هذه المنطقة لتفعيل فرص سلطة أردوغان في المحاصصة على ترتيبات البيت السوري وأوراق النفوذ المشرقية. وما يزيد الطين بلة أن حكومة حزب "العدالة والتنمية" لا تخفي ميلها الى دعم جماعات المعارضة المسلحة ذات التوجه الاسلامي كي تضمن موقعاً في المستقبل السوري متناغماً مع فكرها ومواقفها، هذا إذا لم نتحدث، في ظل غموض هوية المقاتلين الذين تعتمدهم أنقرة وتدربهم، عن تخوف جدي من أن تهيمن جماعات اسلاموية متطرفة على المنطقة الآمنة، ولا تغيّر هذه الحقيقة محاولة حكومة أنقرة توظيف المنطقة الآمنة لمحاصرة تنامي نفوذ جبهة "النصرة" أو "هيئة تحرير الشام" في ادلب وأرياف حماة وحلب.

رابعاً، ما كان لمشروع المنطقة الآمنة أن يعاد إلى الحياة لولا اطمئنان حكومة أنقرة الى انشغال قيادة الكرملين بالحرب على أوكرانيا بعد تعثرها ولنقل فشلها في تحقيق انتصار سريع هناك، وتالياً انحسار قدرتها على المناورة والتقرير في حقل تنافسها مع تركيا في الصراع السوري، والأهم ما يثار عن اضطرارها لاعادة نشر قواتها في سوريا وسحب بعض قطعاتها العسكرية من مواقع كانت تعتبر استراتيجية، للاستعانة بها، وبما راكمه جنودها وضباطها من خبرات ميدانية، في حربها على أوكرانيا، كل ذلك يمكن سلطة أردوغان من تقوية أوراقها في مواجهة موسكو التي تعارض إقامة منطقة آمنة، والتحرر من دورها في تسويغ الدور العسكري الروسي في سوريا، وفي الضغط على المعارضة، وخاصة القريبة منه أيديولوجياً كي تنصاع للعملية السياسية التي تقودها موسكو، في سوتشي والآستانة.

خامساً، هي فرصة تحاول حكومة أنقرة استثمارها لقطف ثمار مرونة البيت الأبيض تجاهها، في ضوء حاجته الى استمرار اصطفافها ضد الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي ضوء مجاهرتها بتحفظات واشتراطات حول انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي، وأيضاً في ظل تنامي خوف الدول الغربية وتحسبها من فتح الحدود التركية والسماح بعبور موجات جديدة من اللاجئين السوريين تزداد معاناتهم في تركيا، ولا بد أن يثقلوا كاهل المجتمعات الأوروبية في ظل استقبالها أعداداً كبيرة من اللاجئين الأوكرانيين.

والمفارقة، أن أحداً لم يلتفت إلى الشعب السوري عندما كان في أمس الحاجة الى منطقة آمنة تقيه الموت والاعتقال والتشريد وقصف الطيران، وبقي شعار "المنطقة الآمنة مطلبنا" الذي رفعه المتظاهرون السلميون في مطلع كانون الأول عام 2011 مجرد شعار بارد، لم يلبث أن طوي مع إحجام العالم كله عن تقديم يد العون لشل القدرات الضاربة والأكثر فتكاً للسلطة السورية وحلفائها. وإذا كان صحيحاً أن المناطق الآمنة كانت باب خلاص لشعوب عانت الأمرين من الحروب والفتك والاضطهاد، كما شمال العراق عام 1991، ثم البوسنة عام 1992، وبعدهما ليبيا عام 2011، وأيضاً إذا كان صحيحاً أن ثمة حاجة أخلاقية وإنسانية مزمنة الى بذل جهد أممي يعمل على منطقة آمنة للشعب السوري بعيدة عن العنف والتنكيل السلطويين وخالية من التنظيمات الإرهابية الأخرى، لكن الصحيح أيضاً أن ثمة مياه كثيرة جرت، بدلت توازنات القوى، وغيّرت المواقف والاصطفافات، وأفقدت المنطقة الآمنة دورها الإنقاذي وجدواها الإنسانية، لتغدو محكومة بأهداف سياسية وعسكرية مغرضة، ما يجعلها بلا شك موضع تعارض وخلاف بين أهم الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الصراع السوري، ويرجح أن تفتح على معطيات وتحديات جديدة قد تمهد لجر سوريا وربما المنطقة برمتها الى حروب ومعارك بينية لا أفق لها، يبقيها في حالة الاستنقاع والتوتر وعدم الاستقرار.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us