التحول التركي!

سياسة 24 آب , 2022 - 12:01 ص
اردوغان

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

والقصد هو ما يثار من احتمال الانفتاح والمصالحة بين حكومة أنقرة والنظام السوري، ظهرت نذره بعد لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان في سوتشي، وتصريح الأخير بأن الرئيس الروسي قدم له عرضاً عن جدوى التعاون والتنسيق مع النظام السوري لمكافحة الارهاب، والقصد الأكراد، كذا! تلا ذلك ما كشفه وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، عن حصول حوار خاطف مع وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، على هامش قمة حركة عدم الانحياز في بلغراد، ثم ما أضافه عن ضرورة وجود إدارة قوية لمنع انقسام سوريا وأنه علينا أن نصالح المعارضة والنظام في سوريا بطريقة ما، وإلاّ فلن يكون هناك سلام دائم، وهو الموقف الذي أعاد تمريره أردوغان خلال عودته من أوكرانيا، بأن حكومته لا يهمها هزيمة الأسد أو عدم هزيمته، وأنه يتوجب عليها الاقدام على خطوات متقدمة في سوريا يمكنها افساد المخططات في هذه المنطقة والعالم الإسلامي!

ربما استغرب البعض وتفاجأ من هذا التحول التركي، لكن ثمة من لا يجد في الأمر غرابة، ويعتبره محصلة طبيعية لعناصر عديدة ساهمت متضافرة في تثبيت سياسات أنقرة المتناقضة والمستهترة بمصالح الشعب السوري، أما من حيث التوقيت فيبدو أن حزب "العدالة والتنمية" بحاجة من وراء هذا التحول الى استرجاع الكثير من النقاط التي فقدتها في الأعوام الأربعة الأخيرة لصالح قوى المعارضة التركية وأثمرت نتائج لا ترضيه في أكثر من عملية انتخابية، وتالياً الى استعادة شعبية تمكنه من الاحتفاظ بالسلطة عند التوجه إلى صناديق الاقتراع في شهر حزيران المقبل، إن لجهة إرضاء الناخبين بتحجيم مخاطر وجود القوات الكردية المسلحة بالقرب من الحدود مستعيناً بدور النظام السوري والقوات الروسية في تحجيم تمددها واضعاف قدراتها ومحاصرة فرص تواصلها مع أكراد تركيا، خاصة بعد أن تعثر تمرير العملية العسكرية التي كان يزمع شنها في شرق سوريا، وإن لجهة التخفيف من أعداد اللاجئين السوريين ووطأة أعبائهم، والذين باتوا يتعرضون لترحيل تعسفي ولأسوأ حملات الاضطهاد والمضايقات مع مجاهرة المعارضة التركية بتحميلهم مسؤولية المشكلات الأمنية والاجتماعية التي يعانيها المجتمع، والأهم لتخفيف حدة الأزمة المعيشية ووقف تدهور الليرة التركية بالإفادة من إرضاء روسيا لتعزيز الروابط الاقتصادية الواسعة معها واستجرار النفط والغاز بأسعار مغرية، بما في ذلك استثمار الحرب في أوكرانيا للعب دور الوسيط التجاري إن لكسب عائدات تمرير صادرات القمح، وإن الإفادة من تنامي حاجة موسكو اليها للالتفاف على العقوبات الاقتصادية الغربية المتخذة بحقها بعد غزوها أوكرانيا.

هذا التحول لم يكن غيمة في سماء صافية، بل استمرار لنهج براغماتي فاقع لأردوغان وحزبه، غرضه الحفاظ بأية وسيلة، على مواقعهما وامتيازاتهما ومصالحهما الأنانية، فضلاً عما تم تحصيله من نفوذ اقليمي، وديدنه الاستعداد لتقديم التنازلات والخضوع لدور موسكو وإملاءاتها في ما أرسته من توافقات في سوتشي والآستانة لإخماد الكثير من البؤر السورية، ولنتذكر التواطؤ التركي في تطويع المعارضة السياسية والعسكرية السورية وتوظيفها بصورة خبيثة بعيداً عن مصالح الشعب ومطالبه المشروعة، ثم تمكين روسيا وقوات النظام من السيطرة على مدينة حلب ومن نقل مسلحي المعارضة من أرياف دمشق وحمص ودرعا إلى مدينة ادلب بعد التسويات والمصالحات التي جرت هناك، بما في ذلك فتح قنوات تواصل مع تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، واستثمار ورقتيهما لتشجيع عسكرة الثورة وتمويل جماعات عسكرية تعادي الخيار الديموقراطي وتمكينها من مد نفوذها، وفي الطريق تأليب قوى جهادية لافتعال صدامات على أساس عرقي لتطويق الأكراد في المناطق الحدودية، ويدرج في هذا السياق دعم أنقرة المستمر لهيئة تحرير الشام، المرتبطة بـ "القاعدة" والمصنفة إرهابية، إن بتغطية مصادر مدها بالأسلحة، وإن بتسهيل مرور آلاف الجهاديين للالتحاق بها.

والأسوأ أن يتوافق هذا النهج البراغماتي مع مطامع توسعية تجلت بانزلاق السياسة الخارجية لحزب "العدالة والتنمية" من خيار "صفر مشكلات" والانفتاح الايجابي على الفضاءين الإقليمي والعربي، وهو الخيار الذي اتبعه أردوغان وحزبه في بداية حكمهما ولاقى قبولاً وارتياحاً عند الجميع، نحو المزيد من التدخلات التركية في شؤون المنطقة والعالم بما تجاوز المألوف، ليس سياسياً فحسب وإنما عسكرياً في العراق وسوريا وليبيا وكازاخستان واليونان، متوسلين توظيف الدين لتعبئة قوى متخلفة وغوغائية يعتقد أنها قادرة على تغذية الحنين الى الماضي الإمبراطوري العثماني، واحياء مطامع حزب "العدالة والتنمية" في تحسين نفوذه الإقليمي كمدخل لتعزيز سلطته الداخلية وتسويغ ممارساته القمعية والاستئثارية، وما أغرى وغذى هذا الحنين وتلك المطامع وجعلهما سياسة مثابرة، الوزن الذي منحه الربيع العربي لحلفاء تركيا من حركات الإسلام السياسي وجماعاته باعتبارهم القوة الأكثر تنظيماً وشعبية وتأهلاً لاستلام السلطة، في ظل استمرار الميل الغربي لفكرة إعطاء الإسلام المعتدل فرصة الوصول إلى الحكم بغية احتواء الحركات الاسلاموية المتطرفة ومحاصرتها.

للأسف ما ان خرجت مظاهرات غاضبة في العديد من المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة المعارضة، شمال غربي سوريا، احتجاجاً على تصريحات وزير خارجية أنقرة حول الانفتاح والمصالحة مع النظام السوري، حتى بدأت لغة التهديد تتعالى ضد هؤلاء الرافضين لجديد السياسة التركية، من قبل فصائل ما يسمى الجيش الوطني وسواها من مؤسسات تابعة لتركيا في الشمال السوري، بينما اكتفى الائتلاف المعارض بإصدار بيان سياسي أعاد التذكير فيه بارتكابات النظام وبما يكابده السوريون وبأن حكومة أنقرة أكدت له، عبر تواصله معها، دعمها للحل السياسي في سوريا وفق قرار مجلس الامن 2254.

بلا شك ثمة بعض المعارضة ستبقى مخدوعة بالسياسة التركية، لكن، هناك شك، وأمام ذلك الحراك الشعبي الوطني والعفوي البعيد عن التعبئة الدينية، إذا كان ثمة أطراف من المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، تمتلك البنية والدافع لاستثمار هذه الفرصة وبذل جهود سياسية وإعلامية صريحة لمحاصرة وفضح ما قد يتواتر من تبدلات في المواقف التركية تصب الحب في طاحونة معادية لحقوق الشعب السوري ومطالبه البسيطة، وتالياً لبدء رحلة تحررها وفك ارتباطها مع سطوة حكومة أنقرة واملاءاتها، خاصة وأن الأخيرة لم تقم اعتباراً لأحد، حين اندفعت وجاهرت برغبتها الانفتاح والمصالحة مع النظام السوري!

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us