في ذكرى "الطائف"... نستذكر بركات البطريرك صفير

سياسة 16 تشرين الثانى , 2022 - 12:03 ص

 

لا شك في أنّ اتفاق الطائف لم يكن ليرى النور، لولا إجماع دولي وإقليمي على اتخاذ قرار بإنهاء الحرب اللبنانية، لكن في الوقت نفسه لا يمكن التنكّر لجهود جبارة ومضنية بذلت للتوصّل إلى الوثيقة الوطنية التي حملت إسم مدينة الطائف، تولاها أعضاء اللجنة الثلاثية العربية ومبعوثها الأخضر الابراهيمي وممثل المملكة العربية السعودية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فضلاً عن النواب اللبنانيين وفي مقدمهم الرئيس حسين الحسيني، فيما لعب النواب المسيحيون الدور المحوري والحاسم في المناقشات المضنية، على الرغم من الضغوط الشديدة التي تعرضوا لها، وبلغت حدّ التهديد.

لكن، وفي سياق إحياء الذكرى الثالثة والثلاثين للإتفاق، فإنّ الإنصاف والحقيقة يقتضيان الإقرار أمام التاريخ، بما بذله البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير من مساع جبارة لتمكين النواب اللبنانيين من التوصّل إلى تسوية تشكّل عقداً اجتماعياً بين اللبنانيين، مع ثباته وإصراره العنيد على أن تجمع إضافة إلى الاصلاحات السياسية والدستورية، بنداً أساسياً لانسحاب الجيش السوري، والعدو الاسرائيلي من لبنان، بضمانة عربية ودولية، تأكيداً على سيادة كامل الأراضي اللبنانية.

وفي ما يلي نستعرض دور البطريرك صفير في هذا المجال، وبركاته التي أضفاها على الإتفاق، ولا بدّ من أن نستحضر حجم الضغوط والتضييق الذي تعرّض له، في أدقّ وأخطر مرحلة كان يمرّ بها المسيحيون منذ نشأة دولة لبنان الكبير، من جراء ذيول وتداعيات حرب الالغاء، التي تسبّبت بانقسام عميق غير مسبوق، والتي أتبعت بمغامرة حرب التحرير.

لكن البطريرك صفير بحكمته وإيمانه ورباطة جأشه وثباته وقدرته الحوارية الموضوعية، عرف كيف يتعاطى مع أهم ملف سياسي منذ إقرار دستور الـ 43، لاسيما وأنّه كان مطلوباً من المسيحيين تنازلات عن بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، تحقيقاً وتكريساً للنظام الديموقراطي البرلماني، الذي يضع صلاحيات السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء مجتمعاً، باعتباره عرضة للمراقبة والمساءلة من المجلس النيابي.

وهذا ما جعله بما تمتع به من حس وطني وحنكة كمن يسير بين الألغام، حرصاً منه على عدم تكريس الانقسام المسيحي وبالتالي اللبناني من جهة، ومن جهة أخرى حرصه على عدم إضاعة الفرصة الدولية والاقليمية المتاحة لإنهاء الحرب، والانتقال إلى مرحلة السلم الأهلي والعيش المشترك والوحدة الوطنية بين اللبنانيين.

فخلال إنعقاد مؤتمر الطائف، كان البطريرك صفير من مقر إقامته في الفاتيكان، الحاضر الأكبر في إجتماعات النواب في تلك المدينة السعودية التي حضنتهم بهدف التوصّل إلى إتفاق ينهي الحرب اللبنانية.

ربما ارتأى البطريرك آنذاك بفضل حكمته التوجّه إلى حاضرة الفاتيكان للتشاور مع دوائرها حيال المباحثات الجارية في الطائف، وتأمين الغطاء البابوي لما يمكن أن يتوصّل إليه المجتمعون من إتفاق من جهة، وربما ليتحرّر من الضغوط اللبنانية، خصوصاً الموقف الرافض للجنرال عون بشأن دعوة النّواب، التي اعتبرها غير شرعية من جهة أخرى.

ويومها كان همّ البطريرك أن يتوصّل النواب بمواكبة اللجنة العربية الثلاثية إلى تسوية تاريخية تجمع التلازم بين الاصلاحات والانسحابات. في حين كان النوّاب المسيحيون يريدون منه موقفاً يغطّي ما يتوصّلون إليه ويوافقون عليه.

كانت اتصالات النواب والوسطاء بالبطريرك صفير يومية. وكان سمير فرنجية يتولّى الاتصال ونقل اقتراحات رفيق الحريري ونصائحه، بحيث أنّ التركيز كان يتمّ بصورة أساسية على توقيت الانسحابات.

في هذا الوقت كان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يجري محادثات مع الرئيس السوري حافظ الأسد بشأن موضوع الانسحاب، أفضت إلى تعهّد الأسد الانسحاب من المناطق اللبنانية وبقاء الجيش السوري مؤقتاً في نقاط محدّدة على القمم في ضهر البيدر وغيرها.

كانت نهائيات الاتفاق تترنح بين خاتمتين: إنجاز الإتفاق في الطائف، ورفض العماد عون في بعبدا.

فبعد إنجاز مشروع الاتفاق في الطائف، استمرت الاتصالات واللقاءات مع البطريرك في روما. فمن كانوا يريدون منه إعلان موافقته على الاتفاق، وأولئك الذين يريدون أن يرفضه، يتصلون به ويضغطون عليه.

كان البطريرك صفير أمام الخيار الصعب. في الطائف يريدون بركته وعون في بعبدا يريده أن يرفض.

في ظل هذا الانقسام، استقبل صفير المدير العام للخارجية الفرنسية فرنسوا شير موفداً من الحكومة الفرنسية، وقال لصفير: "أتيت لنرى معاً ما وصلت إليه المحادثات في الطائف، وأنّ التعديلات التي أُدخلت على الوثيقة التي وضعتها اللجنة العربية هي دون المطلوب، ولكن في الوقت الحاضر لا يمكن أن تتقدّم القضية اللبنانية أكثر من ذلك، وموقف الحكومة (الفرنسية) هو أن نقول (أي البطريرك صفير) إنّا قبلنا بما وصلنا إليه، لكنّنا نطالب المجموعة الدولية بمساندة لبنان للحصول على استقلاله".

لكن ما كتب قد كتب، وما حصل أفضل الممكن.

كما إتصل به الرئيس حسين الحسيني طالباً دعم النواب المسيحيين، معتبراً أنّ ما حصل عليه الفيصل من الأسد لم يسبق أن حصل عليه أحد.

إلا أنّ مهمة ما بعد التوصّل إلى اتفاق الطائف كانت أصعب من طريق الذهاب إليه. وكان البطريرك صفير يدرك أنّ الصعوبة تنحصر في إمكان إقناع العماد عون بالسير في هذا الحل. ولكن المشكلة مع عون كانت أصعب من أن تُحلّ.

بعد عودته تفاجأ البطريرك بموقف السفير الفرنسي رينيه ألا، المتشدّد ولم يسلم من تشدّد موفد عون العقيد عامر شهاب الذي قال له ساخراً: "إنّ عون يسلّم غبطتك الرئاسة". موقف عون أبلغ به أيضاً المطران رولان أبو جودة ونقله إلى صفير ومفاده أنّه سيحلّ مجلس النواب قبل إنتخاب أيّ رئيس.

كانت ساعات الحسم تقترب وكان الرئيس الحسيني مع السفير الإبراهيمي يؤكدان أنّ الإنتخاب سيحصل في لبنان أو في خارجه.

وسط هذه الأجواء المنذرة بالمخاطر حدد موعد إنعقاد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في مطار القليعات في عكار يوم الأحد 5 تشرين الثاني.

كان القرار بالحسم قد اتُخذ بحيث يتمّ نقل النواب من الخارج بالطائرات إلى المطار مباشرة، وقد أعدّ مدرجه على عجل لتأمين هبوط آمن للطائرات في جو سياسي غير آمن.

يوم السبت 4 تشرين الثاني، أصدر عون مرسوماً حلّ بموجبه مجلس النواب، ودعا إلى انتخابات عامة بغض النظر عن شرعية هذا المرسوم من عدمها.

وفي ذلك اليوم زار السفير البابوي العماد عون في بعبدا ثمّ توجّه إلى بكركي لوضع صفير في أجواء اللقاء، ناقلاً إليه بحضور المطرانين أبو جودة وبشارة الراعي أنّه "أبلغ عون أنّ الفاتيكان ضدّ حلّ المجلس النيابي وضدّ تقسيم لبنان، وأنّ ساعة الحقيقة قد دقّت وأنّ اختيار أهون الشرّين هو الأسلم، وأنّه مع انتخاب رئيس للجمهورية ومع مؤسسات دستورية. هذا رأي الكنيسة، ولا مجال للحياد في هذا المجال".

وطلب السفير من عون أن يقوم بشيء ليعود عن قراره إذا كان بالإمكان، واعتبر أنّ حلّه للمجلس غير قانوني. ولكن عون كان في عالم آخر، هو عالمه الخاص المنفصل كلياً عن الواقع.

بعد ظهر ذلك السبت، وصلت معلومات إلى البطريرك عن التحضير لتظاهرة عونية نحو بكركي في اليوم التالي، وهو الموعد المحدّد لانتخاب رينيه معوض رئيساً للجمهورية.

لم يؤثِّر هذا التهديد بالتظاهر إلى بكركي في صلابة موقف صفير فتحرّك في الاتجاه المعاكس. أوفد المطرانين أبو جودة والراعي فوراً إلى بعبدا للقاء عون وكلّفهما إبلاغه "أن موقفنا هو موقف الفاتيكان، وأنّنا ضد التقسيم ومع انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة مؤسسات الدولة. وطلبنا إليهما أن يقولا له إنه يتحمّل مسؤولية ما يحدث في التظاهرة".

مساء الأحد بينما كان الرئيس المنتخب معوّض ينتقل الى دارته في إهدن بعد زيارة الرئيس سليمان فرنجية، كانت التظاهرات المؤيدة لعون تصل الى بكركي وتستبيح حرمة الصرح وكرامة البطريرك.

خلال التظاهرة إتصل المطران أبو جودة أكثر من مرة للحديث مع عون الذي غاب عن السمع. وعندما ردّ عليه سأله المطران عما سيقوله للنّاس عندما تعرض عليهم هذه المشاهد المحزنة. ردّ عون: "سيقولون إن هناك إنفصاماً بين الشعب والكنيسة". علّق صفير لاحقاً في محضر روايته لاجتياح الصرح: "هذا دليل على ما يُضمر من نيات سيئة للكنيسة". أضاف: سُئل (عون) لاحقاً لماذا حملت البطريرك على الذهاب إلى الديمان؟ فأجاب: "لقد إختار طريق المنفى فأمّنّا له الحماية".

كان صفير قد إتخذ القرار بالإنتقال فجراً إلى الديمان، إلا أنّه بعد فترة عاد إلى بكركي، محصّناً بمجد لبنان، بينما هرع عون هارباً من المواجهة، تاركاً جيشه وعائلته، ليختبئ في السفارة الفرنسية، حتى سمح له بالانتقال منها إلى المنفى.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us