هل الصراع الماروني على الرئاسة يبقيها شاغرة؟

سياسة 21 كانون الأول , 2022 - 12:03 ص
كرسي قصر بعبدا

 

عرف لبنان منذ إستقلال عام 1943 ظاهرة سياسية، قمة في السلبية، تتمثل في عدم إعتماد الآليات الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية وفقاً للعملية الديموقراطية المنصوص عنها في الدستور!

فعند كل إستحقاق رئاسي، كانت البلاد تدخل في أزمة سياسية جراء الصراع على المنصب، بين القوى السياسية، لا سيما الأحزاب والزعامات المسيحية، والمارونية على وجه التحديد، فتصبح القوى المحلية عاجزة عن إعادة إنتاج السلطة وتكوينها، مما كان على الدوام يقتضي تدخلاً خارجياً، لحسم شخصية الرئيس، الذي هو أقرب إلى فرضه من أن يكون محاولة توفيقية لإقناع الفرقاء به.

صحيح أن توقيت هذا الكلام يتزامن مع أزمة الشغور الرئاسي، لكن لو عدنا إلى مسار التعقيدات والأزمات التي كانت تنشأ عند كل إستحقاق رئاسي، يتضح بما لا يقبل الشك، أن السبب الرئيس لذلك مرده الصراع الماروني - الماروني على الهيمنة والسيطرة على السلطة من الأقطاب الذين كانت تتشكل منهم "المارونية السياسية".

فعلى الرغم من التوافق الراسخ للأقطاب الموارنة على ما يعتبرونه "ثوابت" مظللة بمباركة مرجعيتهم الروحية، فإن الصراع في ما بينهم على الإمساك بالقرار المسيحي، كان صراعاً عميقاً وجذرياً، يأخذ أشكالاً مختلفة، عائلية، حزبية، مناطقية، سياسية، بحيث كان لدى كل طرف إتجاه جانح نحو الاستئثار والتفرد بالزعامة، من خلال المضي في تحجيم الآخرين، لإضغاف قدراتهم التأثيرية وحيثياتهم الشعبية.

قد يعتقد جيل الحرب ومن أعقبه، أن المقصود بهذا الكلام المحطات الدموية التي شهدتها ما كان يعرف بالمنطقة الشرقة (المسيحية) خلال فترة الحرب، ومنها مجزرتا "إهدن" و"الصفرا"، وحربا "توحيد البندقية المسيحية" و"الالغاء"، لكن الوقائع والحقائق التاريخية كفيلة بأن تؤكد أن الصراع الماروني - الماروني يمتد إلى ما قبل سنين الحرب المشؤومة، وأن عمره من عمر إستقلال لبنان، إذ يمكن القول من جراء ذلك، ان "المارونيّة السياسية" فتكت بفعل هذا الصراع بأهلها، وشعبها، وبيئتها، قبل الآخرين، أو حيث لا يجرؤ الآخرون.

هذا الصراع المزمن تجدد اليوم، وتسبب بالشغور الرئاسي، في أخطر مرحلة من تاريخ لبنان، إذ أن لا أحد منهم يقبل بالتنازل لانتخاب رئيس، الكل يريد أن يجلس على الكرسي الرئاسي، أو أن يفرض مرشحه، ليصبح التوافق اللبناني وآليات تشكيل السلطة مرة أخرى رهينة الخلافات المارونية - المارونية، والمزايدات الطائفية حول السياسات العامة وموقع رئاسة الجمهورية.

لكن الموضوعية تحتم الاقرار بأن هذا الشغور لا تقتصر أسبابه على الصراع بين الموارنة، بل يشاركهم في تحمل المسؤولية، الطرف القابض على مفاصل القرار السياسي.

فمن المؤكد أن فترة الشغور مرشحة لتمتد إلى فترة طويلة، بسبب ما ذكرناه، إضافة إلى الفتور الذي تتعامل به العواصم الخارجية مع الملف الرئاسي اللبناني، والذي يجعل إمكان تدخل حاسم في الاستحقاق أمراً مستبعداً إلى حين.

إزاء هذا الواقع، فان الشعور العام الذي ينتاب المسيحيين خصوصاً، واللبنانيين عموماً، يمكن إختصاره بنقطتين:

- شعور يؤكد أن الصراع الماروني - الماروني ألحق أضراراً لا تغتفر بحق الطائفة، ودورها، ومكانتها، في الوطن والمحيط.

- شعور بأن "حزب الله"، ومن منطلق فائض القوة، هو الذي يتحكّم بمسار الاستحقاق الرئاسي. يريد أن يحتفظ بسلاحه، ومقاومته، وخياراته، وتحالفاته الداخليّة والخارجيّة ويقول للآخرين: "تفضلوا لنتحاور ونتفاهم على الرئيس الذي نرتاح اليه".

وهذا الشعور، يجعل غالبية المسيحيين تعيش قلقاً حقيقياً حول مستقبل وجودها في لبنان، وسط التخوف من حصول تغييرات ديموغرافية، في حال قررت عواصم القرار توطين الفلسطينيين والسوريين، خدمة لمصالحها النفطية، فعندها لن تبقى جمهورية، ولن يكون رئيس لها.

فهل تتعظ القيادات المارونية، وتحوّل الصراع في ما بينها، صراعاً من أجل المحافظة على لبنان الدولة والكيان والرئيس المسيحي الوحيد بين كل الدول العربية؟

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us