لبنان 2023... معزول دولياً وعربياً!

سياسة 5 كانون الثاني , 2023 - 10:00 م
لبنان

 

ورث لبنان 2023 من السنوات الماضية (تحديداً العهد العوني "الجهنمي") أزمة وجودية بكلّ ما تعنيه هذه العبارة من تهديد فعلي للبنان الدولة والكيان والدور، جرّاء المسار التراكمي الممنهج المتسارع لانهيار الدولة ومؤسساتها الدستورية، فضلاً عن عملته النقدية وإقتصاده الوطني ونظامه المصرفي وبنيته الخدماتية الاجتماعية.

وما يفاقم الخطر المحتوم، ليس الطغمة الحاكمة، الساقطة وطنياً، والغارقة في فسادها وغيّها وفجورها، مما يفقدها الأهلية السياسية والأخلاقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحسب، إنّما الخطر الحقيقي الذي يدعو الى القلق البالغ في ظل انتهاء صباحية الطبقة السياسية، هو عزلة لبنان دولياً وعربياً، نتيجة غيابه وتغييبه عن أيّ اهتمام أو متابعة جدّية وفعلية من الدول التي لطالما كانت تشكّل الحماية الخارجية له، والضامنة لاستقراره.

فلبنان حالياً يعيش حالة من "اليتم"، بفعل استبعاده كلّياً عن اهتمام الدول المؤثّرة وجدول أعمالها، اذ لم يعد يشكل بالنسبة اليها أيّة أهمية.

ويرجع هذا التخلي عن لبنان، الى سببين جوهريين متداخلين: داخلي وخارجي.

١- على الصعيد الداخلي:

فقدان الثقة الخارجية بلبنان، بعد تفشي الفساد بكلّ أشكاله، بصورة غير مسبوقة، وتخلي الدولة عن دورها وقرارها السيادي المصادر من "حزب الله"، بعد استجرار لبنان إلى المحور الايراني في المنطقة، خدمة للمشروع التوسّعي الايراني - الفارسي.

٢- على الصعيد الخارجي:

أ- تدهور علاقة لبنان بأشقائه العرب، تحديداً المملكة العربية السعودية، منذ تورّط "حزب الله" في حرب اليمن ضدّها، وتدريبه مجموعات من الحوثيين في الضاحية الجنوبية، وتزويدهم بالخبراء، وتهجّمه الدائم على المسؤولين السعوديين، وإستمرار عمليات تهريب الكبتاغون إلى الرياض، مما فجر أزمة مع دول الخليج، جعلتها لأول مرة منذ نشأة لبنان الكبير تتخلى عنه في أزماته، خصوصاً وأنّ ديبلوماسياتها كانت تنشط عند كلّ أزمة لبنانية مع العواصم الغربية لإنتاج حلول لها، لحرص الدول العربية على استقرار لبنان وديمومته، من دون أن ننسى الدعم المالي والاستثمارات التي لعبت دوراً بارزاً في ثبات عملته وإزدهار إقتصاده.

ب- تداعيات الصراعات في دول المنطقة بكلّ تعقيداتها على الوضع اللبناني، مع إصرار وإمعان على إبقاء لبنان مأزوماً ومضطرباً، لاستخدامه ورقة ضغط بيد إيران في مفاوضاتها بشأن ملفاتها الساخنة مع "الشياطين" بأحجامها الكبرى والصغرى.

ج- شبه الانسحاب الكلّي للادارة الأميركية من المنطقة، بما في ذلك لبنان (بعدما اكتفت بإبرام ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائلي لمصلحته!)، وانهماك روسيا في حربها على أوكرانيا، وضعف الأوروبيين وعجزهم عن أيّ تأثير فاعل، ما عدا التحرّك الفرنسي، الذي يقوده الرئيس ايمانويل ماكرون بصورة ملتبسة(!) منذ إنفجار المرفأ، الذي اعتراه بأسلوب مريب التقلبات في المواقف والثوابت، مما حال دون تمكّنه من إيجاد أية حلول ناجعة للأزمة اللبنانية، على الرغم من مروحة اتصالاته الواسعة وتنسيقه مع الدول المعنية بالملف اللبناني، حتى ذهب بعض المحللين إلى اتهامه بأنّ كل حركته اللبنانية كان هدفها حصول شركة "توتال" على حصة وازنة في التنقيب عن الغاز اللبناني.

د- التحوّل في موقف الفاتيكان من "حزب الله"، الذي عبّر عنه المبعوث البابوي إلى لبنان، عندما حث اللبنانيين على ضرورة محاورة الحزب كمكوّن لبناني(!) مما يعني أنّ الفاتيكان ليس بصدد القيام بتحرّك تجاه الدول الكبرى لإقناعها بالعمل على إعادة التوازن بين المكونات اللبنانية، على الرغم من محاولات البطريرك بشارة الراعي نقل الخطر الذي يتهدّد الوجود المسيحي في لبنان من جراء هيمنة الحزب على كلّ مقدرات الدولة اللبنانية.

كل هذه العوامل والوقائع تفضي إلى أنّ لبنان خلال العام 2023 معزول ومتروك دولياً وعربياً، وخارج اهتمام الدول المؤثرة، بإنتظار نضوج تفاهمات في ما بينها على القضايا الساخنة في المنطقة، لأنّ التسويات الكبرى لا تزال ظروفها مستحيلة!

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us