الترشيح “المذل” لسليمان فرنجية!

زياد سامي عيتاني

بالنسبة الى مناصريه من تيار “المردة”، هو الطفل إبن الثانية عشرة، الذي قُتل والداه وشقيقته في مجزرة إهدن العام 1978، فتربى في حضن جدّه الرئيس سليمان فرنجية.

وبالنسبة الى خصومه السياسيين، والذين يناصبونه العداء، هو حليف سوريا وصديق الرئيس السوري بشار الأسد، والصديق المقرّب لشقيقه الراحل باسل الأسد، والمُجاهر دائماً بحلفه وصداقته مع النظام السوري الحالي.

إنّه سليمان فرنجية “الحفيد” الذي حرمته مجزرة إهدن من عائلته، تلك المجزرة التي كانت جزءاً مما عرفته “الساحة المسيحية” عندما سطع نجم بشير الجميل، من خلال سلسلة عمليات أمنية داخلية أطلقت عليها “القوات اللبنانية” آنذاك بقيادته (قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية) “عملية توحيد البندقية المسيحية” (!)، التي صدّعت “الجبهة اللبنانية”وكانت تضمّ مختلف الأحزاب المسيحية، إضافة إلى شخصيات سياسية ودينية تؤازرها.

بين زغرتا وإهدن، البلدة الصيفية لزغرتا، وحيث قضت عائلته في 13 يونيو 1978، نشأ سليمان فرنجية، محاطاً بتضامن أهلها، الذين وحّدتهم المجزرة وألغت خلافاتهم السياسية التقليدية، فاحتضنوا “إبن البيك”.

تَتلْمذ سليمان فرنجية على يد جدّه، فبدأ يتدرّج في عمله السياسي داخل زغرتا كمدينة وقضاء على السواء. تولّى العمل السياسي لعائلة فرنجية بإشراف جدّه، فعمل على توثيق علاقاته في زغرتا والشمال، متبعاً الخط الذي رسمه الرئيس فرنجية والتحالفات التقليدية التي تربطه بزعامات شمالية كعائلة كرامي في طرابلس. متّن فرنجية الحفيد علاقته بسوريا، بفعل إرتباط جدّه أيضاً بعائلة الرئيس حافظ الاسد، وربطته صداقة متينة بنجل الأسد باسل، حتى أنه سمّى إبنه الثاني بإسمه.

بعد “إتفاق الطائف”، عُيّن فرنجية الحفيد نائباً عن زغرتا عام 1991، ليكون أصغر نائب في المجلس النيابي، وكان في الـ 26 من عمره. وبوفاة جدّه في العام 1992، بات زعيم العائلة والمدينة، وبدأت رحلته منذ ذلك الوقت مع السياسة اللبنانية، نائباً ووزيراً، علماً أنه تنحى عن النيابة لصالح إبنه البكر طوني. وسلك فرنجية طريق جده، بالحفاظ على العلاقة مع عائلة الأسد، في وقت كان النظام السوري يمسك بمقاليد السلطة في لبنان عبر حلفائه، ولا سيما في عهد الرئيسين إلياس الهراوي وإميل لحود، ورئاسة الرئيس الشهيد رفيق الحريري لحكومات المرحلة السابقة.

وبفعل زعامته الشمالية وعلاقته مع النظام السوري، تحوّل فرنجية رقماً أساسياً في كل الحكومات المتتالية، إلى أن تولى وزارة الداخلية في العام 2004، وشاءت أقداره أن يتمّ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وهو يتولى حقيبة الداخلية.

تراكمات مسيرته السياسية، جعلت منه، مرشحاً لرئاسة الجمهورية مع كلّ استحقاق، حتى أنّ ترشيحه بعد الفراغ الرئاسي المديد، الذي أعقب إنهاء ولاية الرئيس إميل لحود، كان ترشيحاً وازناً وجدياً، بعدما وفّر لذلك مظلة تأييد داخلية وخارجية، إلا أنّ تمسّك “حزب الله” بميشال عون كمرشح وحيد للرئاسة، وبالتالي “إتفاق معراب” الذي نسجه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع مع ميشال عون، لقطع الطريق على فرنجية، أطاحا بكلّ الآمال التي عقدها لدخول قصر بعبدا، بحيث أشيع وقتها أنه تلقى وعداً من السيد حسن نصر الله بأن يكون رئيس الجمهوريه، الذي سيخلف ميشال عون.

ومع إنتهاء عهد عون، ودخول البلاد في فراغ رئاسي، جراء الأزمة السياسية والإنقسام العمودي الحاد بين الطبقة السياسية حيال مختلف القضايا العالقة، وفي مقدمها الاستحقاق الرئاسي، عاد إسم سليمان فرنجية ليطرح بقوة للرئاسة، إلى جانب إسم قائد الجيش العماد جوزيف عون، علماً أنّ الاثنين لم يعلنا ترشيحهما رسمياً، خصوصاً وأن ترشح قائد الجيش يحتاج إلى تعديل دستوري، دونه عقبات سياسية وتشريعية.

ومقابل تداول إسمي فرنجية وعون، شنت حملات سياسية عنيفة عليهما من “التيار الوطني الحر”، وعلى إسم فرنجية من القوى المناوئة للحزب والنظام السوري، في حين بقي اسم قائد الجيش إذا ما إستثنينا التيار “العوني -الباسيلي” بمنأى عن التهجّم السياسي.

على الرغم من دعوات الرئيس نبيه بري المتكررة لمجلس النواب الى إنتخاب رئيس للجمهورية، فإنّ كلّ الجلسات لم تفضِ إلى ذلك، خصوصاً وأنّ الثنائي الشيعي لم يكن قد أفصح رسمياً عن مرشحه، وهذا ما دفع فرنجية الى عدم إعلان ترشيحه، ريثما تنضج الإتصالات الداخلية والخارجية للقبول به رئيساً.

وعلى الرغم من تريث فرنجية، فإنّ الأوساط السياسية تفاجأت بترشيحه من الرئيس نبيه بري من عين التينة بإسم الثنائي، بطريقة أثارت الكثير من الريبة في الأوساط المسيحية الكنسية والسياسية. فقد اعتبرت تلك الأوساط، أنّ الطريقة التي رشّح فيها الرئيس بري ومن ثمّ السيد نصر الله فرنجية، حملت إساءات كبيرة، لا يمكن القبول بها، لجهة التعاطي مع المركز الماروني الأول، بحيث رأت في هذا الترشيح “المذل”، إملاءً وإسقاطاً من الثنائي لاسم الرئيس، بصورة آحادية، من دون التشاور والتنسيق مع المكونات السياسية، وتحديداً المسيحية، وكأن المطلوب منها الإذعان والقبول من دون مناقشة “أمر العمليات” الصادر عن حارة حريك بشأن الاستحقاق الرئاسي!

وما زاد من الريبة المسيحية، أنّ تبني الثنائي لفرنجية، تزامن مع الاتصالات التي تجريها بكركي على أكثر من جهة محلية وخارجية، بهدف التوصّل إلى مرشح ذي وزن سياسي، قادر على إحداث نقلة نوعية في الأداء الرئاسي، يحظى بإجماع وطني وتأييد خارجي، لتمكينه من الشروع في عملية إنقاذ لبنان الدولة والكيان من الإنهيار الكامل.

واللافت في هذا السياق، أنه لم يصدر حتى اللحظة أيّ موقف من فرنجية نفسه، بشأن ترشيحه من عين التينة (!)، مما يفسره المراقبون، بحالة “الإرباك” التي لحقت به وبفريقه السياسي، ما دفعه الى تأجيل إطلالة تلفزيونية، كان من المقرر أن يعلن ترشحه من خلالها، طارحاً العناوين العريضة لبرنامجه الرئاسي.

ولا تخفي مصادر مقرّبة من فرنجية ما يشعر به من إحراج على الصعيد المسيحي، بحيث أن الطريقة التي تمّ ترشيحه فيها، خلقت له أزمة مع بيئته المسيحية، التي رأت فيها إهانة وإساءة لا تغتفران، لكيفية التعاطي مع الملف الرئاسي من “الثنائي الشيعي”، خصوصاً وأن فرنجية لم يعلن ترشحه، مما أظهره أنه مرشح الثنائي، وليس مرشح ما يمثل من حيثية سياسية ومسيحية.

وهنا تتساءل المصادر المتابعة: “هل صمت فرنجية، يعبّر عن موقف رافض للطريقة التي تمّ بها تبنيه رئاسياً من الثنائي؟ أم أن صمته، هو لتبريد النفوس المسيحية، ومنح نفسه بعض الوقت لإجراء ما يلزم من إتصالات، لمعالجة تداعيات التبني الثنائي له؟ خصوصاً وأنّه أثار موجة عارمة من الرفض والاستنكار، لما إنطوى عليه من إزدراء وإنتقاص للدور الماروني في المشاركة الفعلية في تظهير وإنتاج إسم المرشح و/أو المرشحين للمنصب المسيحي الأعلى في الجمهورية اللبنانية (!) وكأنه بات محظوراً على الموارنة، بفعل الخلل في ميزان القوى الداخلي، اختيار من يمثلهم لمنصب رئاسة الجمهورية، في حين أنّ الثنائي الشيعي لا يسمح لأحد بمشاركته في إختيار ممثلي طائفته في مختلف المناصب الرسمية.

الجواب على هذا السؤال المركزي، ينتظر موقفاً واضحاً وصريحاً من سليمان فرنجية، المشهود له بالجرأة والمباشرة في إعلان مواقفه السياسية، بعيداً عن المواربة والمخادعة.

فمتى يخرج سليمان فرنجية عن صمته؟

شارك المقال