داعمو معوض يتعاملون معه كمرشح “قاصر” للرئاسة!

زياد سامي عيتاني

النائب ميشال معوض، المرشح لرئاسة الجمهورية، هو سليل عائلة زغرتاوية سياسية عريقة، ونجل الرئيس التاسع للجمهورية اللبنانية رينيه معوض، ثاني رئيس منتخب يتعرّض للاغتيال بعد الرئيس بشير الجميل.

والده الرئيس الشهيد رينيه معوض، كان من أركان “الشهابية” (نسبة الى رئيس الجمهورية فؤاد شهاب)، بحيث برز اسمه بصورة ملحوظة خلال رئاسة شهاب (1958 – 1964)، ورئاسة “الشهابي” الآخر شارل حلو (1964 – 1970)، بوصفه الوجه الذي يقاسم سليمان فرنجيّة الزعامة “الزغرتاوية”، إلا أنّه في العامين 1966 و1967، وبالتوازي مع معارضة فرنجيّة للشهابيّة، تصدّع التحالف بين عائلتي فرنجيّة ومعوّض سياسيّاً، ليتحوّل من وقتها، إلى عائلتين متنافستين على الساحة الزغرتاوية.

وقد وقع الاختيار على معوض الأب رئيساً للجمهورية، بعد إتفاق “الطائف”، نظراً الى علاقاته الشخصية وقدرته على التفاوض والحوار، وحيازته على ثقة مختلف الفاعليات، وخصوصاً القيّمون على مقاليد الحكم في لبنان، إضافة إلى تشبّثه بالثوابت والمسلمات الوطنية، التي يستمد مفاهيمها من التجربة “الشهابية”.

ولم تكن جلسة إنتخاب رينيه معوض شبيهة بالجلسات العادية لانتخاب رئيس الجمهورية في مقر المجلس النيابي في ساحة النجمة وسط بيروت، بل كانت جلسة إستثنائية، إلتأمت في مطار القليعات، حيث أعلن النائب مخايل الضاهر ترشّحه (وكان في وقت سابق قد طرح أميركياً تحت عنوان: الضاهر أو الفوضى)، في حين إستمر النواب رينيه معوض، جورج سعادة والياس الهراوي في الترشّح. فنال معوض 35 صوتاً وسعادة 16 صوتاً والهراوي 5 أصوات. وجرت على الأثر دورة ثانية أعلن خلالها النائبان سعادة والهراوي إنسحابهما، ففاز معوض بأكثرية 62 صوتاً، مقابل 6 أوراق بيض.

في أول لقاء بين الرئيس المنتخب ووزير الخارجية السوري (قبل أن يصبح نائباً للرئيس) عبد الحليم خدام (المكلف من الرئيس حافظ الأسد بالملف اللبناني)، بدأت تلوح في أفق العلاقة بين الرجلين ملامح بدايات الخلاف حول قضايا أسياسية، بدأت بطلب معوض من خدام، أن تبادر دمشق الى سجب جيشها من منطقة البترون وزغرتا، لتثبت بالدليل الحسي أنّ إتفاق “الطائف” لا يرمي إلى تشريع وجود الجيش السوري في لبنان إلى الأبد، بل إلى برمجة إنسحابه تدريجياً، وهذا الطلب “المستحيل” وقتها لم يأنس له خدام، بحيث قيل إنّ رده على معوض كان قاسياً. كذلك، فإنّ معوض لم يرُق له أن يطلب منه خدام توزير عدد من الأسماء في أول حكومة للعهد.

بعد هذا اللقاء “المتوتّر”، بدأ معوّض يعيش هاجس الاغتيال، من دون أن يترك هذا الهاجس يتحكّم بعقله وتصرفاته، فهو أوصى نجله ميشال بتحمّل المسؤولية عندما قال له في اللقاء الأخير: “يمكن بعد ما إنتخبوني.. يغتالوني، أنت مسؤول يا ميشال، عن أمك وأختك”.

ربما، بعد أن تحققت تخوفات والده الرئيس الذي تمّ إغتياله في 22 تشرين الثاني 1989، بعد 17 يوماً من إنتخابه، بسيارة مفخخة أودت بحياته، بدأ معوض الابن الاعداد والاستعداد للمستقبل. لكن، كان لا بدّ من مرحلة إنتقالية، بسبب صغر سنه، حملت فيها والدته النائبة والوزيرة السابقة نائلة معوض المشعل إلى حين نضوج الظروف التي سمحت لابنها بالانخراط في العمل السياسي.

ودخول نايلة معوض إلى البرلمان، كان بموجب المرسوم 1307 الذي ملأ المقاعد الشاغرة والمستحدثة. بعد ذلك، ترشحت في الدورات الانتخابية الثلاث، في الأعوام 1992 و1996 و2000، وفازت بأصوات كبيرة كرّستها رقماً صعباً وأساسياً في المعادلات السياسية على صعيد شمال لبنان، وعلى صعيد الأقطاب المسيحية في اللعبة البرلمانية.

في موازاة ذلك، كانت نايلة معوض تحضّر إبنها ميشال، الذي بدأ نجمه بالظهور من خلال المناظرات الاعلامية والمشاركة في نشاطات منطقته. كما شارك معوض الابن لاحقاً في “لقاء قرنة شهوان”، الذي رعاه البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير في وجه الوصاية السورية، وأسّس “حركة الاستقلال”، وإنضم إلى قيادة قوى 14 آذار، ليخوض بعدها تجربة الانتخابات النيابية في قضاء زغرتا، حيث الصراع على الزعامة المارونية في الدائرة بينه وبين سليمان فرنجية، الذي تحوّل حالياً إلى صراع على الرئاسة (!) خصوصاً وأن كلاهما ينتميان إلى تموضع سياسي على نقيض من الآخر، ففرنجية هو حليف للنظام السوري ولـ “حزب الله”، في حين أن معوض حليف للادارة الأميركية، ومناوئ شرس لـ “حزب الله”.

صحيح أنّ ميشال معوض هو المرشح العلني الوحيد الذي أعلن ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ولكن كل جلسات المجلس النيابي التي دعا إليها رئيسه نبيه بري أخفقت في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بسبب عدم حيازة أيّ من الأسماء على العدد الكافي من الأصوات خلال الجلسة الأولى، وفقدان النصاب في الجلسة الثانية، ضمن لعبة مكشوفة لعدم انتخاب الرئيس، بسبب الخلاف السياسي المستحكم بين الفرقاء السياسيين بشأن الاستحقاق الرئاسي.

فمعوض عملياً وفعلياً هو مرشح “القوات اللبنانية”، وحظي بتأييد كل من حزب “الكتائب” و”اللقاء الديموقراطي” (قبل أن يطلق وليد جنبلاط مبادرته)، بحيث أنّ هذا التبني فاقم من عملية عدم القبول به، فإضافة إلى مواقفه المناوئة لسوريا و”حزب الله”، فتح خوض “القوات اللبنانية” معركته الانتخابية، أمامه جبهات رفض من خارج الثنائي الشيعي، وفي مقدمهم “التيار الوطني الحر” ورئيسه جبران باسيل (الطامح الى خلافة عمه)، بسبب الصراع الشرس بين “التيار” و”القوات” على الاستئثار بالشارع المسيحي وقراره.

مصادر “محايدة” متابعة لمسار ترشّح معوض، الذي تقف “القوات” خلفه، وتدير نيابة عنه معركته الانتخابية، ترى فيه إستغلالاً سياسياً من متبني ترشيحه، الذين يدركون إستحالة وصوله إلى قصر بعبدا، وبالتالي فإنّ “القوات” لا تخوض معركة سياسية خاسرة، بل تدرك تماماً ما تفعل، لذا، فهم يستخدمون معوض كـ “ورقة ضغط” للمساومة مع الفرقاء الآخرين، بهدف قطع الطريق على سليمان فرنجية وتثبيت إستحالة جبران باسيل من جهة، وبالتالي التفاوض على مرشح مقبول منهم ويستوفي مواصفاتهم، وخلق مساحة مشتركة بشأنه مع باقي الفرقاء من جهة ثانية.

وتؤكّد تلك المصادر، أنّ جميع الأطراف تتعاطى مع ترشيح معوض بعدم الجدية، وكذلك تجيد التداول بإسمه لتقطيع وقت الفراغ، ريثما تنضج الظروف المحلية والخارجية، وتصبح ملائمة لانتخاب رئيس للجمهورية قادر على تحمّل تبعات المنصب في أخطر وأصعب مرحلة يعيشها لبنان.

وتبدي المصادر عينها أسفها وإستياءها من التعاطي مع ترشيح معوض بخفة سياسية، ضاربة عرض الحائط بتراثه وجذوره العائلية والسياسية، بحيث تتعامل معه وكأنّه “قاصر”، لم يبلغ سن “الرشد” السياسي بعد!

فهل ميشال معوض ضحيّة سياسيّة من داعمي ترشيحه؟ أم أنّه يدرك حيثيات تبنيهم له، ويريد من خلال ذلك، تعزيز حضوره على الساحة السياسية، بلقب مرشح لرئاسة الجمهورية؟

شارك المقال