شعلة 14 آذار… أوقدتها دماء الحريري وأطفأتها المصالح السياسية! (2/2)

زياد سامي عيتاني

نخصّص الجزء الثاني من هذه القراءة لما آل إليه تحالف “قوى 14 آذار”، بمناسبة الذكرى الـ18 لـ “ثورة الأرز” و”إنتفاضة الإستقلال”، للخوض في الأسباب والتحولات التي أُفرغت من أساسياتها ومضامينها، ولم يكتب لها أن تستكمل فصولها النضالية، لتحقيق أهدافها النبيلة.

1- الاكتفاء بإسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي (الذي يسجل له تقديم إستقالة حكومته في مجلس النواب، في خطوة جريئة، تنمّ عن تحمّله للمسؤولية الوطنية)، في الشارع، من دون التمكّن من إسقاط الرئيس إميل لحود، الذي قوبل برفض مسيحي كنسي من البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، كي لا تكون سابقة، من شأنها زعزعة مقام الرئاسة الأولى (!) مما اعتبر في حينه، “طوأفة” لمطالب “قوى 14 آذار”، فكان رفع هذا المطلب، من خلال ما سمي بـ “عريضة فل”، نوعاً من التهوّر والتسرّع العشوائي في رفع سقف المطالب.

2- إلحاق عدم القدرة على إسقاط الرئيس لحود، بإعادة إنتخاب الرئيس نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي، عقب إنتخابات العام 2005، على الرغم من حصد “قوى 14 آذار” الغالبية الساحقة عن المقاعد النيابية، مع ضرورة التذكير بأن تحالف “قوى 8 آذار” تأسس في عين التينة، المقرّ الرسمي للرئاسة الثانية.

3- “الحلف الرباعي”- (الخماسي فعلياً) الذي جمع مكونات أساسية من التحالفين النقيضين: تيار “المستقبل” و”حزب الله” وحركة “أمل” والحزب “التقدمي الاشتراكي” و”القوات اللبنانية”، في إنتخابات 2005، تحت شعار: “تجنب صراع مذهبي سني – شيعي”، إذ إعتبر خطيئة سياسية عظمى، لا تغتفر، وكان بمثابة “المسمار” الذي دقّ في نعش تحالف “قوى 14 آذار”، وتسبّب بزعزعة الثقة بين قياداتها وجمهورها، مما شكّل ضربة قاسية في إندفاعية التحالف، وبالتالي تسبّب بإستفزاز “التيار الوطني الحر”، الذي كان بدأ يتهيأ للخروج من “14 آذار” عبر مفاوضات، مهدت لاحقاً لتفاهم “مار مخايل”، الذي كرّس تحالفه مع “حزب الله”.

4- زيارة الرئيس سعد الحريري “مرغماً” بضغط من دول حليفة (!) الى سوريا في العام 2009 تمّت بقصد التسوية مع نظام متّهم بقتل والده، برهان على فصل هذا النظام عن إيران، وهي تسبّبت بحالة سخط في بعض أوساط جمهور “14 آذار”.

5- خطيئة الخامس من أيار غير المدروسة، أمام إصرار النائب وليد جنبلاط على استبدال مدير أمن المطار، وتفكيك شبكة إتصالات “حزب الله”، والتي أسّست للسابع من أيار، الذي كان السبب الرئيس في خروجه من تحالف “قوى 14 آذار”، بعدما كان في مقدمة مؤسسي هذا الفريق، ليبدأ هذا التحالف بتصدّع بنيانه.

6- “مؤتمر الدوحة” الذي عقد في أعقاب غزوة “حزب الله” وحلفائه لبيروت، وأجزاء من الجبل، وما صدر عنه من تسوية، كرّست أعرافاً سياسية على قاعدة “الغالب والمغلوب”، قبل بها لتجنّب المزيد من إراقة الدم، فأسّست خللاً كبيراً في المعادلة الوطنية الداخلية، لصالح “حزب الله” ومن يدور في فلكه.

7- إعلان الرئيس الحريري “ربط النزاع” مع “حزب الله” في العام 2014، بعدما إنخرط الأخير عسكرياً في الحرب السورية، بهدف تجنب الإنجرار نحو فتنة مذهبية سنية – شيعية، بدأت تلوح في الأفق، وكذلك لمنع إنتقال حريق سوريا والعراق إلى لبنان، مما دفع غلاة المزايدين الشعبويين الى توجيه سهام إتهامهم الى الحريري بالتخلي عن مبادئ “١٤ آذار”.

8- إنقلاب “قوى 8 آذار” الغادر على رئيس الحكومة سعد الحريري، بإعلان وزرائها إستقالاتهم من حكومته، بالتزامن مع لقائه الرئيس الأميركي باراك أوباما، ما أدى الى دخوله للقاء الرئيس الأميركي رئيساً للوزراء وخروجه رئيس حكومة سابق!

9- التسوية الرئاسية التي أفضت إلى وصول ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، بعد فراغ رئاسي إمتد لسنتين ونصف السنة، عقب “إتفاق معراب”، لقطع الطريق أمام رئاسة سليمان فرنجية، بكلّ ما أحاط بهذه التسوية من ملابسات وتساؤلات، ما زال بعضها غامضاً حتى إنتهاء ولاية العهد “الجهنمي”.

كلّ تلك المحطات السياسية الرئيسة، كرّست تباعاً حالة الإنقسام داخل “فريق 14 آذار” وواقع تشرذم مكوّناته وضياع البوصلة السياسية، وصولاً إلى إنفراطه، بعد سلسلة إخفاقات، خلقت حالة عارمة من الاحباط الشديد في صفوف الجماهير التي صنعت هذه المحطة التاريخية، التي لم تكن قيادات “14 آذار” أو بعضها بحد أدنى جديرة بالائتمان عليها، خصوصاً وأنها لم تقم مجتمعة أو منفردة، بعد كلّ إنكسار أو تنازل بإجراء مراجعة نقدية أو تقويمية، للتمكّن من تجاوزها، واستبدالها بصدمة إيجابية، تستعيد معها الثقة، ومن ثمّ المبادرة (!) الأمر الذي جعل من هذا الحدث العظيم غير المسبوق في تاريخ لبنان، مجرد ذكرى مجيدة في نفوس ناس هزمت وأحبطت وخسرت رهانها، بعد هذا الكم الهائل من التحولات “الدراماتيكية” والتسويات التراجعية، التي أفرغت تاريخ 14 آذار 2005 من كلّ مضامينه، التي عوّل عليها، للعبور إلى لبنان جديد.

 

 

 

شارك المقال