السعودية أمام مرحلة جديدة من تعدد علاقاتها الخارجية

زياد سامي عيتاني

لم تُقَدِّر الادارة الأميركية مدى خطورة الهجوم الارهابي، في شهر أيلول من العام 2019، على منشآت النفط السعودية بالنسبة الى المملكة العربية السعودية، وبالنسبة الى أمنها القومي والنفطي، ممّا جعلها تتعاطى مع هذا التطوّر “الدراماتيكي” بكثير من البرودة وعدم المبالاة، إذا ما استثنينا الاستنكار الاعلامي، على سبيل رفع العتب!

فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تهاجم فيها إيران الأراضي السعودية، مع إنكار غير مقنع، وسط التساؤل: هل أتى الهجوم من الحوثيين أو من العراق؟

لقد شكّل عدم قيام الولايات المتحدة بأيِّ شيء، رداً على ذلك الاعتداء الغاشم، غير المسبوق في عمق الأراضي السعودية، صدمة كبيرة وخيبة أمل أكبر للقيادة السعودية (!) خصوصاً وأنه استهداف أهم منشأة حيوية بالنسبة اليها، بكل ما ينطوي عليه الاعتداء من تهديد خطير لأمنها القومي (عسكرياً ونفطياً).

حينها، أدرك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أنه قد لا يحصل على أيّ دعم من الولايات المتحدة لحماية أراضي المملكة من التمادي الايراني في الاعتداء عليها بواسطة الحوثيين، الذين أعلنوا لاحقاً مسؤوليتهم عن الهجمات التي نفذتها طائرات مسيرة على منشآت معالجة النفط السعودية في بقيق وخريص.

كما شعر بن سلمان أن الادارة الأميركية لم تحترم في تغاضيها عن الاعتداء على أراضي المملكة، العلاقة التاريخية التي ربطت البلدين، منذ أن كانت السعودية من جانبها، الدعامة الأساسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حين أعلن البريطانيون إنسحاب قواتهم من الخليج العربي في العام 1968.

إزاء هذ التراخي المقصود والمتعمد من الولايات المتحدة تجاه المملكة، إكتملت الظروف لدى القيادة السعودية وعلى رأسها الأمير محمد بن سلمان، لنسج علاقات إستراتيجية متعدّدة ومتنوّعة مع الدول العظمى، وعدم إبقائها حكراً على أهواء الادارة الأميركية ومزاجها، فكان التواصل والإنفتاح من أوسع الأبواب مع كل من الصين وروسيا، بكل ما يشكله هذا التبدل في السياسة الخارجية السعودية من إستفزاز لأميركا.

لذا، فإن السياسية الخارجية السعودية المتجددة وكأنها تخاطب واشنطن، بأن البديل موجود، وأن المملكة يمكن أن تكون لها أيضاً علاقات جيدة مع دول أخرى لا تقل أهمية في المنطقة.

ولا بد من الاشارة في هذا السياق إلى أنه ومنذ أن تولى ولي العهد السعودي مقاليد السلطة في المملكة، كان نهجه في العلاقة مع الولايات المتحدة، هو حشد الجمهوريين مثل دونالد ترامب، مع جعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة الى الديموقراطيين مثل جو بايدن، وذلك لانعدام الثقة بهم، الذي يعود إلى العام 2015، عندما أبرم الرئيس الأميركي باراك أوباما إتفاقاً نووياً مع إيران، من دون التنسيق مع حلفاء الادارة الأميركية في المنطقة، وفي مقدمهم الرياض، مما أثار غضب السعوديين، الأمر الذي دفع السفير السعودي السابق لدى الولايات المتحدة إلى كتابة تعليق يسرد فيه جميع مساهمات بلاده في الأمن القومي للولايات المتحدة.

ونتيجة سياسة بايدن إزاء المملكة، ومن أجل دينامية سعودية جديدة، علها تنتج إستقراراً في علاقاتها مع جيرانها في الشرق الأوسط، قررت القيادة السياسية في المملكة تحرير نفسها من الوصاية الأميركية وتنويع علاقاتها دولياً.

والهدف من هذه السياسة الجديدة، الوصول إلى بيئة أكثر إطمئناناً، بحيث أن المملكة تحتاج إلى تأمين المنشآت النفطية، مما يتطلب علاقة مختلفة سليمة وسلمية مع الايرانيين، من الندّ إلى الندّ، التي هي أيضاً حاجة إيرانية، نتيجة عزلتها الدولية والعقوبات المفروضة عليها، فضلاً عن تنامي الاحتجاجات الشعبية وتوسعها داخلها.

كذلك، يجب عدم إسقاط شعور طهران بالقلق إزاء الإنفاق الهائل للمملكة العربية السعودية على إنشاء صناعة دفاع وطنية، وتحويل الجيش السعودي إلى قوة قتالية فاعلة، إلى جانب إستحواذها على أنظمة أسلحة أميركية وأوروبية متطورة، لا تستطيع إيران الوصول إليها.

فالمملكة تسعى إلى إنشاء قدرات تستهدف العمود الفقري لاستراتيجية إيران الدفاعية، وهي الطائرات بدون طيار، إضافة إلى الصواريخ الباليستية، بحيث أنها في السنوات الأخيرة، إتفقت مع الصين على بناء مصنع لتصنيع الطائرات بدون طيار في السعودية، سيكون أول مصنع للإنتاج الحربي الصيني في الخارج. وتشير صور الأقمار الصناعية من السنوات الأخيرة، إلى أن المملكة قد بنت قواعد صواريخ بمساعدة التكنولوجيا الصينية.

بناءً على كلّ ذلك، يمكن فهم أبعاد التطوّر السريع للعلاقة السعودية – الصينية، لأنّ الدولتين الوحيدتين اللتين يستمع إليهما الايرانيون هما الصين وروسيا. علاوة على ذلك، كانت هناك حاجة إلى شريك قوي، وقادر على التوصّل الى إتفاقية مع الجانب الإيراني وضمانها، بحيث تمكّنت الصين من إبرامها، بعدما أخفقت كلّ الدول في ذلك.

بالنسبة الى الصين، كانت الاتفاقية التي أبرمتها ورعتها بين السعودية وإيران، تعني عودتها منتصرة إلى مشهد الشرق الأوسط. وهذا ما يسمح لها بإخبار الأميركيين بأنّها، حتى لو كان هناك ضغط عليها، فإنّها تصبح محاوراً متميّزاً للقوى الاقليمية في المنطقة، وهي السعودية وإيران.

يذكر في سياق هذا العرض، أنّ تواصل السعودية مع الصين يعود إلى عهد الملك عبد الله، الذي كانت إحدى أولى رحلاته الخارجية إلى الصين، باعتبارها سوق النمو الرئيس لصادرات الطاقة السعودية.

كما أنّ تواصل المملكة مع الصين وروسيا برز بصورة ملحوظة، لدى الاتفاق معهما من خلال “أوبك +”، بحيث جهدت لادراجهما وبعض الأعضاء الآخرين من خارج “أوبك”.

تحقق ذلك، أولاً عندما حدث انهيار في أسعار النفط في العام 2015، وإنهارت مرة أخرى في العام 2020 بسبب تفشي فيروس كورونا.

أمام هذه المتغيرات في ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط، التي من الممكن أن تشكّل تحالفات إقليمية جديدة، هل يعني ذلك أنّ الرياض بدأت العدّ العكسي للتخلي عن علاقتها الاستراتيجية مع واشنطن؟

في الوقائع، وعلى الرغم من أنّ السعودية حريصة على علاقاتها المتجدّدة مع الصين، فإنّها في الوقت نفسه، لا ترغب في الاستغناء عن علاقتها مع الولايات المتحدة، بغض النظر عن التوتر القائم في العلاقات، إذ أنّ تلك العلاقات قابلة لأن تعود الى حيّويتها، التي لا تتوقف على من يشغلون مناصب في البيت الأبيض، بحيث من الممكن أنّ رئيساً أميركياً جديداً، بعد إنتهاء ولاية بايدن، يكون أكثر تقرّباً وإهتماماً بالقيادة السعودية، ومع بن سلمان (الرجل القوي في المملكة) على وجه الخصوص، الذي يدرك تماماً أنّ الولايات المتحدة تظل المحاور الأمني ​​الرئيس له، في ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، ومن حيث التدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لا سيما وأنّ إتفاقاً مبرماً بين الدولتين، تعتزم بموجبه الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية إجراء أول تدريب تجريبي لهما على الاطلاق لمكافحة الطائرات بدون طيار في نهاية هذا الشهر.

لكن ذلك، لم يخفِ أنّ رد الفعل الفوري في كثير من الدوائر في الولايات المتحدة، هو أنّ الاتفاقية التي رعتها بكين، هي هزيمة للولايات المتحدة وإنتصار للصين.

ولكن، على الرغم من توجّس واشنطن من الدور الجديد للصين في المنطقة، عندما يتعلق الأمر بمنطقة الخليج العربي، فإنّ المصالح الأميركية والمصالح الصينية متشابهة إلى حدّ كبير، فكلاهما يريد أن تتدفق الطاقة من تلك المنطقة، والمنطقة المسالمة والمستقرة تساعد أسواق الطاقة.

شارك المقال