“إنّ أعداء إسرائيل سيدفعون ثمن العدوان”، بهذه الجملة افتتح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو (المنهك سياسياً وشعبياً جراء التظاهرات الواسعة المندّدة بمحاولته وضع اليد على القضاء) الاجتماع الاستثنائي لمجلس الوزراء الاسرائيلي المصغّر، والذي استغرق ثلاث ساعات، بعد القصف الصاروخي الذي تعرّضت له اسرائيل من جنوب لبنان وغزة، والذي تناول التوترات الأمنية، مع التركيز على إطلاق صواريخ من المنطقة الجنوبية، باتجاه الشمال من الأراضي المحتلة (وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن الحكومة الاسرائيلة)، من دون أن يوجه أصابع الاتهام الى أي جهة “لبنانية” عن قيامها بعملية القصف الصاروخي من الجنوب. وكأنّه بذلك، تقصد إعفاء “حزب الله” من أيّ مسؤولية، على الرغم من معرفته الراسخة، بأنّه المهيمن والمسيطر على كامل الجنوب اللبناني، والممسك بزمام الأمور فيه، لا سيما على الصعيد الأمني، حتى أن القوى النظامية اللبنانية الموجودة “رمزياً” في الجنوب، إنتشارها وتحركاتها على الأرض، لا تتم إلا بموافقة وتنسيق مسبقين من قيادة الحزب.
ثمة ضرورة في هذا السياق، للتوقّف عند سابقة، تكمن في أنّها المرة الأولى التي تؤكّد فيها إسرائيل هجومها على الأراضي اللبنانية منذ نيسان 2022، خلافاً لكل المناوشات العسكرية المحدودة و”المضبوطة و”المنسقة”، بما فيها المسيرات (!) التي كانت تحصل على الحدود، من خلال تبادل رسائل سياسية، من دون أن تمس جوهر قواعد وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب تموز.
وما يعزّز هذا الاعتقاد أن إسرائيل أعلنت مسبقاً أنّها سوف تردّ ليلة الخميس – الجمعة على إطلاق الصواريخ في كلّ من غزة وجنوب لبنان، ما يتنافى مع أبسط القواعد العسكرية، التي تتسمّ بالسريّة والخدعة! مع الاشارة إلى أنّ “اليونيفيل” أعلنت في بيان أن “إسرائيل أبلغتنا أنها ستردّ بقصف مدفعي على هجوم أمس بالصواريخ”. وكشف قائد القوات الدولية الجنرال أرولدو لازارو، أنّه تحدّث مع السلطاتِ على جانبي الخط الأزرق، بحيث أكد الطرفان أنهما لا يريدان الحرب.
ومن الضروري أيضاً، في هذا العرض التوقف عند ما عمّمه الجيش الاسرائيلي من تعليمات بأنّه يجب على سكان قطاع غزة البقاء بالقرب من منطقة يمكن الوصول إليها خلال فترة الدفاع ذات الصلة… من دون أن يوجه المعلومات نفسها الى الاسرائيليين القاطنين على الحدود الشمالية!
فعندما ردّت إسرائيل يوم الجمعة على ما أسمته “أخطر هجوم على أراضيها منذ حرب 2006″، أكّد المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي دانييل حجاري في مؤتمر صحافي أنّ “الردّ استهدف مواقع لمسلحين فلسطينيين متمركزين في جنوب لبنان، بالقرب من مخيم الرشيدية، بما في ذلك البنية التحتية الإرهابية التابعة لحركة حماس في جنوب لبنان”، من دون حتى مجرد التلميح الى “حزب الله”، بل حمّل المسؤولية للدولة، عندما قال: “لن يسمح الجيش الاسرائيلي لمنظمة حماس الارهابية بالعمل إنطلاقاً من لبنان، والدولة اللبنانية مسؤولة عن كلّ النيران التي تطلق من أراضيها”.
كل هذا السياق، يؤكّد أنّ نتنياهو، على الرغم من كلّ التهويلات، حريص على المحافظة على الهدنة القائمة على حدوده الشمالية، وحصر معركته المفتوحة بفلسطينيي الداخل، في محاولة منه لتثبيت موقع حكومته “المهزوز” جراء الاعتراضات الواسعة والضغوط الكبيرة غير المسبوقة التي يتعرّض لها للمرة الأولى بهذا الحجم، طيلة الحكومات الست التي ترأسها.
من هنا يمكن فهم أبعاد قراره بزج الشرطة الاسرائيلية في المسجد الأقصى لشن إعتداءات يومية على المصلين العزل، بالتزامن مع شهر رمضان، وما يمكن أن ينتج عن ذلك، من ردود عسكرية من حركتي “حماس” و”الجهاد” في قطاع غزة باتجاه المستوطنات المجاورة، ليؤكّد لمعارضيه أنْ لا وقت للجدال والانقسام داخل اسرائيل. وهذا ما أكّده خلال مؤتمره الصحافي بقوله: “لقد أوضحت في الأيام الأخيرة أنّ أعداءنا لن يضللونا، الجدل الداخلي في إسرائيل لن يمنعنا من العمل ضدّهم، حيثما، ومتى لزم الأمر، كلّنا متحدون في هذا من دون إستثناء”. كما أكّد أنْ “لا مصلحة لنا في تغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي الشريف، نحن ندعو إلى الهدوء، وسنعمل بقوة ضدّ المتطرفين الذين يلجأون إلى العنف هناك”.
إذاً، المجريات الميدانية خلال يومي التوتر، أكّدت بما لا يقبل الشك، أنّ نتنياهو يوظّف تلك التطورات لتثبيت موقعه، وللتأكيد للمعارضة الداخلية أنّ المعركة الحقيقية هي مع الفلسطينيين، من دون أن يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى “حزب الله”!
هذا الموقف لنتنياهو، دفع المعارضة والصحافة الاسرائيلية الى شن هجوم مركز عليه، واتهمتاه بالوقوف موقف المتخاذل أمام تنامي قدرات “حزب الله” العسكرية “النوعيّة”.
فقد رأت الصحف الاسرائيلية أنّ التفسير الفوري لاطلاق النار من غزة، هو ردّ فلسطيني على الأحداث غير العادية في الحرم القدسي الشريف، كجزء من التطابق مع ما يُنظر إليه على أنّه “تدنيس للمسجد الأقصى”. وفي المقابل، أكّدت أنّه على عكس القذائف التي أطلقت من قطاع غزة رداً على ذلك، فإنّ الوضع في الساحة الشمالية أكثر تعقيداً بكثير، خصوصاً مع تهديد (حسن) نصر الله بالرد على أيّ عمل إسرائيلي في الأراضي اللبنانية، وتهديده مدعوم بعشرات الآلاف من الأشخاص والصواريخ التي يمكن أن تستهدف الأراضي الاسرائيلية.
إن تهديدات الأمين العام لـ”حزب الله” بأنّه سيرد على أيّ عمل إسرائيلي موجه ضدّ لبنان أو المواطنين اللبنانيين، دفعت إسرائيل لعدة أشهر إلى توجيه انتقادات متكررة لأفعاله الجريئة. وبالتالي، من بين أمور أخرى، لم ترد إسرائيل على إطلاق طائرة من دون طيار باتجاه منصة “شارك” قبل أشهر، ويبدو أنّها اختارت العمل غير المباشر على شكل ضربات في سوريا رداً على “الارهابي اللبناني” الذي تسلّل إلى إسرائيل ويبدو أنّ “حزب الله” أرسله.
وحذرت الصحافة العبرية نتنياهو من أنّ سياسة الاحتواء والاستجابة غير المباشرة التي تنتهجها إسرائيل، ستؤدّي إلى زيادة ثقة نصر الله بنفسه بصورة كبيرة، الأمر الذي زاد من حجم رهانه، مضيفة: “لكن إسرائيل الآن لم تعد قادرة على الاستمرار في سياسة الإحتواء، لأنّ إطلاق الصواريخ الـ34 يغيّر الوضع بصورة كبيرة”.
وما كتبته صحيفة “هآرتس” يضع الأصبع على “الجرح” الاسرائيلي، بأن “إطلاق النار في الشمال يضع إسرائيل في وضع أكثر تعقيداً منذ نهاية حرب لبنان الثانية، فمن الصعب التصديق أنّ حزب الله، الذي أجرى بالفعل نوعاً من تجارب الأسلحة مؤخراً، لم يكن على علم بالهجوم الفلسطيني من لبنان. ومع ذلك، على خلفية الأزمة السياسية، وإحتجاج الاحتياط، وقلة اهتمام إدارة بايدن، يبدو أنّ إسرائيل لا تبحث عن حرب متعدّدة المجالات”.
وهكذا، فإنّ الأهداف الرئيسة للحكومة الاسرائيلية في الوقت الحالي، هي تهدئة الأجواء المتوترة في القدس بصورة كبيرة، بعد الردّ في قطاع غزة ولبنان، من دون خوض حرب فعلية، بحيث انتهت مفاعيل التصعيد “الممسوك”، الذي استثمره نتنياهو في الداخل الاسرائيلي، للجم إندفاعية و”دينامية” المعارضة الشرسة ضده، بأنّ الخطر الذي يداهم الدولة العبرية، يقتضي ويتطلّب رصّ الصفوف والتماسك، لمواجهة أيّ معركة قد تجد نفسها أمامها.
لكن، يبقى السؤال: ما هو دور “حزب الله” في كلّ هذه التطورات التصعيدية، لا سيما وأنّ حركة “حماس”، الذي يزور رئيسها لبنان، تعتبر ذراعه الفلسطينية في لبنان وغزة؟


