على الرغم من التفاؤل الذي عاشه اللبنانيون بقدوم الخير على وجه شهر حزيران، لما يمكن أن يحمله من حلحلة في انتخاب رئيس للجمهورية، إلا أن الأطراف السياسية في البلد والتي لا تشعر بمعاناة هؤلاء اللبنانيين وخوفهم من الغد المجهول، لم تستطع حتى الآن التوافق على اسم للرئيس.
فالثنائي على رأيه وقراره بترشيح سليمان فرنجية، وهذا الموضوع جاء بالتفصيل على لسان نائب الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم الذي لفت الى “أننا قدمنا اقتراحاً وقلنا بأنَّ رئيس تيار المردة سليمان فرنجية يمكن أن يكون الخيار الطبيعي، لأنَّه يتمتع بصفات الرئاسة الوطنية الجامعة وفرصه في الانتخابات تزداد أكثر من السابق، والجو الاقليمي ملائم للتفاهم على انتخابه، لكن هناك من يتعنت ويرفض الحوار والنقاش”.
أضاف: “هذا الأداء السلبي يمكن أن يؤخر انتخاب الرئيس ويعوقه، وبالتالي هؤلاء يتحملون مسؤولية الاعاقة، وبعض الكتل تفتش عن رئيس تستطيع أن تُثقله بشروطها لتتمكن من أن تحكم من خلاله لبنان، وهي لا تعمل من أجل أن يكون هناك الرئيس الذي يتوازن ويعمل لمصلحة كل لبنان من دون استثناء، وهذا خطأ”. وهذا أيضاً ما سمعناه على لسان الشيخ نبيل قاووق والنائب حسن فضل الله.
أما على خط المعارضة، المتمثلة بـ “القوات” و”الكتائب” والتيار العوني وبعض التغييريين، فنصبح معها على شيء، لنمسي على شيء آخر. وآخر ما توصل اليه الوسيط الكتائبي الذي يعمل على خط ربط الرسائل بين سمير جعجع وجبران باسيل هو أن الأخير، وبعد تجدد الاتصالات بينه وبين بقية قوى المعارضة – والتي توقفت لفترة – قد حسم موقفه بتبني ترشيح جهاد أزعور.
وبما أن باسيل أحد أبرز المعطلين للاستحقاق الرئاسي من خلال مناوراته وابتزازه وحرق الأسماء ورفض التوافق والحوار، وبما أنه مرة يغمز من قناة “حزب الله” ومرة أخرى يستهدفه بصورة مباشرة، عدا عن إساءته الى كل المكونات اللبنانية واتهامها بإغراق البلد في الأزمات، فإن جعجع وعلى الرغم من التطور الايجابي في موقف باسيل، يطرح شخصياً علامات استفهام حتى يشاهد الأخير في المجلس النيابي مقترعاً لصالح أزعور ليتأكد من المسألة.
مسألة الثقة هذه لا يطرحها جعجع بباسيل وحسب، انما بفريقه الذي لوح البعض منه بالاقتراع بورقة بيضاء، وهذا ما يجعل حظوظ أزعور متأرجحة الأصوات، وبالتالي عدم حصوله على عدد كافٍ يوصله الى سدة الرئاسة، وهذا ما حدا بأزعور نفسه الى القول إنه لا يريد أن يكون مرشح تحدٍ وذلك خلال تواجده في لبنان في زيارة قصيرة قادته الى لقاء قيادات لبنانية بعيداً من الاعلام وسُرّبت دردشة بينه وبين رئيس مجلس النواب نبيه بري في حديقة عين التينة أن الثنائي عنده مرشحه وهو فرنجية وأنت – أي أزعور – “روح شوف طريقك”.
جهاد أزعور الذي حط في بيروت عائداً من قطر، سيتوجه الى الرياض ضمن مهامه الأساسية، لكن هذا لا يعني أنه لن يلتقي بمسؤولين سعوديين مطلعين على الملف الرئاسي اللبناني، خصوصاً وأن السعودية كانت حثت على لسان سفيرها في بيروت وليد بخاري أطراف المعارضة على الاسراع في التوافق في ما بينها وتسمية مرشحها لرئاسة الجمهورية وإلا فإن الوقت ليس لصالحها.
فرنسا بدورها تستعد لاستئناف تحركها المباشر حول الملف الرئاسي في لبنان في المدى المنظور، والأجواء الواردة من العاصمة الفرنسية تفيد بأن المسؤولين الفرنسيين، باتوا يضعون في أولوياتهم الحسم السريع للملف الرئاسي في لبنان، وهذا التوجّه ليس بعيداً من الموقف الأميركي الذي يصبّ مع الموقفين الفرنسي والسعودي في خانة التعجيل في انتخاب رئيس لبنان، أياً كان هذا الرئيس، وإعادة انتظام المؤسسات الدستورية والحكومية فيه، تجنّباً لانزلاق لبنان نحو واقع دراماتيكي يتهدده بخراب كارثي، وهو ما سبق أن حذرت منه مساعدة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف.
لكن ما لا يمكن تأكيده أو نفيه هو ما إذا كان الحسم الرئاسي وارداً في شهر حزيران المقبل، لأنه على ما يبدو ليس في الامكان تحديد تواريخ أو مواعيد معينة، وكل ما يمكن قوله بناءً على هذه الأجواء، أن كل شيء وارد، والمسألة باتت تُقاس بالأسابيع القليلة.
أما في ما يتعلق بالاتصالات والمحادثات التي تجددت على خط بيروت – باريس، والتي يجريها مساعد الرئيس الفرنسي للشؤون الخارجية باتريك دوريل فلا تزال تجري ضمن اطارها التقليدي وتجميع المعلومات، بعد الانتقادات التي وجهتها أحزاب المعارضة الى المسؤولين الفرنسيين على خلفية تبنيهم ترشيح سليمان فرنجية واعتباره انحيازاً منهم لصالح الثنائي الذي يدعمه، وهنا ينتظر دوريل لقاءه المرتقب مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في الثاني من حزيران المقبل، ليفهم منه حقيقة الموقف المسيحي من ترشيح فرنجية، وفي ضوء ذلك يقرر المسؤول الفرنسي موقف بلاده من الاستحقاق، الذي قد يتقاطع مع باقي أعضاء اللجنة الخماسية التي أعادت الكرة الى الملعب اللبناني.
كما هو واضح الملف الرئاسي على نار حامية، والتحركات باتجاهه وبخصوصه لا تقل سخونة، لكن أغلب الظن أن الأطراف اللبنانية التي لا تزال تتقاذف الاتهامات بالتعطيل، لم تشعر بعد لا بالنار الحامية ولا بالسخونة، والخوف أن يأتي الصيف الموعود ويبقى لبنان خارج كل هذه الوعود.


