جهاد أزعور… مرشح رئاسي “غير طبيعي” 

زياد سامي عيتاني
جهاد ازعور

هو من خارج نادي المرشحين التقليديين لرئاسة الجمهورية (على الرغم من أنه إبن شقيقة الوزير والنائب الراحل جان عبيد)، ولا ينتمي إلى أي حزب أو تيار سياسي من المصنّفين أقوياء مسيحياً، لذلك لا يمكن تصنيفه (وفقاً للمعايير اللبنانية)، بأنه مرشح “طبيعي” لرئاسة الجمهورية.

وأكثر من ذلك، فهو لم يرشح نفسه للرئاسة، لا تلميحاً ولا علانية، خصوصاً وأن منصبه “التقني – التخصصي” في صندوق النقد الدولي، يجعله خارج المعادلة السياسية الداخلية، لانكبابه على ممارسة مهامه على صعيد دول الشرق الأوسط، ما جعله غائباً بصورة كلية عن المشهد السياسي، منذ مغادرته وزارة المالية، التي تبوأ حقيبتها في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.

إنه الوزير الأسبق جهاد أزعور.

وعلى الرغم مما أثاره (قبل تسميته من “الثنائي الماروني” وبعض نواب “المعارضة” والتغييريين وبعدها)، من “ضجة” سياسية، اذ بمجرد أن بدأ الاعلام يتناول إسمه، كمرشح “محايد” لرئاسة الجمهورية (ولو همساً)، حتى شنت عليه حملات مركزة ومنظمة، (مع أن إسمه كان مطروحاً بقوة لتولي منصب حاكم مصرف لبنان) بصورة أساسية من “حزب الله”، وبوتيرة أقل من “القوات اللبنانية” (قبل أن تتبنى ترشيحه في مواجهة سليمان فرنجية)، يتضح أن هذه الحملات (بمجرد التداول بإسمه) أتت من خلفيتين سياسيتين متناقضتين، لا تركبان على “قوس قزح”:

– الخلفية الأولى هي التي يقف وراءها “حزب الله” وحلفاؤه، تنطلق من أنه محسوب على الأميركيين، بحكم وظائفه الدولية وعلاقاته الاقتصادية عبر صندوق النقد، إذ إن واشنطن هي من فرضته وزيراً في ذروة الصراع بين قوى 8 و14 آذار.

– الخلفية الثانية، هي التي وقف (فعل ماضٍ) وراءها الدكتور سمير جعجع، بعدما أوحى النائب جبران باسيل بأنه مرشح “التيار الوطني الحر”، فضلاً عما تعتبره الأوساط العليمة بطبيعة “الصراعات المارونية” على النفوذ، أن جعجع “يتحسس” من أزعور، كونه مارونياً من الشمال (الضنية)، الذي يشكل “العمق الاستراتيجي” البشري لـ “القوات”!

وعلى الرغم من بقاء حملات “حزب الله” على أزعور مستمرة، لا بل بوتيرة تزداد إشتداداً يوماً بعد يوم، فإن التطورات السياسية المحلية والاقليمية، دفعت رئيس “القوات اللبنانية” الى الانقلاب على نفسه، ليتحول إلى مسوّق لترشيح أزعور، ورأس حربة حملة ترشيحه، بعدما إستنفذ النائب ميشال معوض (!)، مع إلتماسه تمسك “الثنائي الشيعي” بسليمان فرنجية مرشحاً أحادياً، خصوصاً مع تصاعد حظوظه، بفعل المفاوضات التي تجريها باريس مع عواصم القرار، للتوصل إلى تسوية، تفضي إلى وصول فرنجية الى قصر بعبدا، في وقت بقي موقف السعودية خارج “لعبة” الأسماء، مكتفية بالمواصفات والعناوين العريضة.

وتقاطعت المصالح السياسية للقوى المعارضة على ترشيح فرنجية، ما أسفر عن تبنيها “مجتمعة” و”منفردة” ترشيح أزعور. وهذا التبني من القوى المناوئة لـ “حزب الله”، أعطاه سبباً إضافياً لتعزيز حملته عليه، وإتهامه بأنه مرشح “مواجهة” و”تحد”، مدعوماً من الادارة الأميركية، لضرب التوازنات اللبنانية القائمة، المفروضة منذ سنوات من الحزب.

داعمو ترشيحه، يرون فيه رجلاً “أكاديمياً” بإمتياز، يحمل أعلى الشهادات في المال والاقتصاد من فرنسا وأميركا. وبقدر ما كان بارعاً في دراساته، برع كذلك في الوظائف التي تولاها في أهم شركات الاستشارات العالمية، وصولاً إلى تعيينه أخيراً مدير إدارة الشرق الأوسط وشرق آسيا في صندوق النقد الدولي منذ العام 2017، مروراً بتوليه وزارة المال في لبنان في العام 2005.

كما يصفونه بأنه يتمتع بالمنطق والمعرفة الواسعة في مجاله، يناقش ويجادل بهدوء وعقلانية، معتمداً على الحجة والأرقام والتحليلات والاستنتاجات، ما يجعله واثقاً ومتمكناً في إبداء آرائه ومقاربته للقضايا النقاشية، التي جعلت منه سياسياً محنكاً، متحرراً من النمطية التقليدية، أقرب إلى الشخصية العلمية والعملية العصرية، الذي يطل على المشهد السياسي من خلفية إقتصادية، لمقاربته بالمنطق والوقائع والمؤشرات. وهذه المواصفات التي يجب أن يتمتع بها الرئيس العتيد، لإنقاذ لبنان من الانهيار.

أما معارضو ترشيحه، فيعتبرونه مرشح الادارة الأميركية من خلال صندوق النقد الدولي، وأنه سيعمد في حال وصوله الى رئاسة الجمهورية إلى تنفيذ سياستهما، ورهن لبنان للنفوذ الأميركي داخل صندوق النقد، ما يشكل ضربة في خاصرة محور المقاومة والممانعة، ويطيح بالمعادلة الداخلية، خصوصاً وأن المنطقة مقبلة على متغيرات وتحولات جذرية، بعدما تنضج التسويات الكبرى.

وتربط مصادر قريبة من “حزب الله” بين الدعم الأميركي لترشيح أزعور، وما تخطط له الادارة الأميركية، في تحويل لبنان بعد إنهياره بالكامل، إلى قاعدة مركزية للمخابرات الأميركية في الشرق الأوسط (!) اما بحدوده الحالية في حال تمكنت من وضع يدها عليه، أو من خلال إعادة رسم خريطته السياسية والجغرافية، من خلال الطلب من حلفائها المحليين رفع سقف المطالبة بـ “الفديرالية”.

وتتساءل المصادر نفسها المقربة من “حزب الله”: هل الحجم الهائل لمنشآت السفارة الأميركية التي تشيّد في لبنان، هو حجم طبيعي لأي سفارة في أي بلد في العالم أم أنه قاعدة عسكرية متكاملة؟

في الوقت الذي يحتضر فيه لبنان على كل الصعد والمستويات، تتعاطى الأطراف السياسية المنقسمة على نفسها بإستخفاف وإزدراء مع الملف الرئاسي، من خلال التراشق في ما بينها حول كيفية قراءة كل منها، من زاويتها الخاصة، لهذا المرشح أو ذاك.

شارك المقال