لم يعش طفولته كباقي الأطفال… فالجريمة التي أودت بحياة أبويه وأخته ابنة الثلاث سنوات، أفقدته البراءة التي يتحلى بها كل من كان في عمره!
ربما لم يلعب مع أبناء جيله، ولم يرافقهم بإنتظام إلى المدرسة، ولم يلهو مثلهم في العطل، وربما أيضاً لم تستهوه الألعاب المخصصة لعمره، لأنه كانت لديه هواجس ومعاناة أكبر بكثير من قدرته الطفولية على تحملها، جراء الفجيعة التي حلت به شخصياً وبعائلته، ليس أقلها الثأر من قتلتها (!)، خصوصاً وأن والده، النائب والوزير، قتل طعناً برمح بندقية!
منذ عامه الـ 13، وبعدما نجا من مجزرة إهدن، لوجوده في منزل جدّه، عاش بلا عائلة ولا بيت، بحيث كانت إقامته تتوزع بين بيت عمته، وبيت جده الذي يحمل إسمه، والذي ترعرع ونشأ في كنفه.
طفولته الصعبة، لم تمنعه منذ بلوغ سن الشباب من أن يمتع نفسه بهوايات كثيرة، ربما عوّضته ما حرم منه طوال فترة الحرب، منها الصيد والغطس والتصوير، مع ميل كبير الى حماية البيئة، حمله عام 2008 على غرس أكثر من 600 ألف شجرة بين بلدتي زغرتا وإهدن في الشمال اللبناني.
على الرغم من كل الظروف المأساوية والدموية التي تربى في ظلها، استطاع أن يكوّن لنفسه شخصية سياسية مثيرة للجدل، فالبعض يعتبر أنه يتمتع بالفروسية والمروءة السياسية، مقابل البعض الآخر الذي يرى أنه لولا النفوذ السوري في لبنان، لما كان من الثوابت الدائمين في مجلسي النواب والحكومة.
إنه سليمان طوني فرنجية.
ينحدر من سلالة عائلة ضاربة في تاريخ لبنان السياسي، وهو قطب ماروني – شمالي، ورئيس تيار “المردة”. لكن الصفة الأبرز والأهم، التي تشمل حيثيته الأساسية أنه زعيم عائلة فرنجية المتحدرة من رجل الاستقلال حميد، إلى جده الذي تبوأ رئاسة الجمهورية، بعدها إلى والده الوزير والنائب طوني، إلى أن آلت إليه، بعدما قام بتوحيد “ميليشيا المردة” عقب تنحية عمه روبير فرنجية عن القيادة، ثم أصبحت “الميليشيا” تياراً سياسيا يقوده منذ ذلك الوقت، وهو في سن الـ 18.
بعد إتفاق الطائف، دخل العمل السياسي من الباب الواسع، نائباً عن قضاء زغرتا في العام 1991 لأول مرة، ليصبح منذ ذلك الوقت وزيراً ثابتاً ونائباً منتخباً لأكثر من 20 عاماً.
يفاخر سليمان بك (التسمية الغالبة) بعلاقته الشخصية والعائلية ببشّار الأسد، وهي علاقة بدأت بين العائلتين في عهد جدّه الرئيس سليمان، والرئيس حافظ الأسد، بحيث كان جده يصطحبه في رحلات إلى دمشق لزيارة صديقه الرئيس الأسد، وهناك كان الحفيد يقوم برحلات صيد مشتركة أيضاً مع الابن البكر للرئيس السوري.
لذلك، فإنه قبل الصداقة مع بشار الأسد، كان فرنجية صديقاً كبيراً لشقيقه باسل، الذي توفي بتدهور سيارة كان يقودها في منتصف العام 1994 على طريق مطار دمشق.
وحافظ فرنجية على العلاقة التاريخية العائلية والسياسية الصلبة والعميقة التي ربطت بين آل فرنجية وآل الأسد، بحيث يعتبر نفسه منتمياً حتى الاندماج الى ما يطلق عليه تسمية “الجو السياسي”.
علاقته السياسية الراسخة بآل الأسد، دفعته ليكون حليفاً شرساً لـ “حزب الله”، من دون أن يمنعه ذلك من الانفتاح والتواصل مع جميع الفرقاء السياسيين، بحيث هناك اجماع على أنه يتمتع بمرونة وبراغماتية كبيرتين، بالقدر نفسه الذي يتمتع به من صلابة في خياراته ومواقفه السياسية، ما مكنه من بناء علاقات سياسية واسعة.
وهذه الواقعية السياسية التي تطغى على شخصية فرنجية، لم تمنعه عام 2018 من عقد مصالحة تاريخية مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أنهت 4 عقود من الخلاف الحاد، بسبب التهم التي وجهت الى جعجع بأنه منفذ مجزرة إهدن.
الترشح لرئاسة الجمهورية بات تقليداً لدى عائلته، فمن حميد فرنجية رجل الاستقلال الذي ترشّح عام 1952، قبل أن ينسحب بعد توافق رئاسي على كميل شمعون، إلى جدّه سليمان فرنجية الذي نجح في الفوز بالرئاسة بفارق صوت واحد عام 1970 على الياس سركيس، ليُعاد طرحه للرئاسة عام 1988 من دون أن ينجح في الوصول، الى سليمان الحفيد المرشّح “الطبيعي” في السنوات الماضية، حتى بات المرشح الجدي الأوحد حالياً لفريق “الممانعة والمقاومة” الذي يقوده “حزب الله” بكل قوته ونفوذه.
مؤيدو ترشيحه، يرون فيه رجل المرحلة، خصوصاً بعد المصالحة العربية مع سوريا وعودتها إلى جامعة الدول العربية، اذ إنه إضافة إلى علاقات فرنجية التاريخية الوثيقة مع “سوريا الأسد”، يتمتع بعلاقات جيدة مع المملكة العربية السعودية، فضلاً عن التأييد الفرنسي له، وهذا ما سيعطيه دفعاً قوياً للشروع الفوري في معالجة ثلاثة ملفات أساسية:
1- إعادة ترتيب علاقات لبنان مع الدول العربية، وتحديداً الخليجية.
2- معالجة ملف اللاجئين السوريين، وضبط الحدود البرية بين لبنان وسوريا.
3- الافادة من الدعم الفرنسي له، لحشد دعم مالي وإقتصادي لوقف الإنهيار، بالتوازي مع المباشرة بالاصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي.
كذلك، يرى مؤيدو فرنجية، أنه وبحكم تحالفه الاستراتيجي مع “حزب الله”، فهو الوحيد القادر على طرح “إستراتيجية دفاعية” تطمئن الحزب، وتريح خصومه من فائض قوة سلاحه.
ويعتبر مؤيدوه أن “براغماتية” فرنجية ستجعله ينفتح على جميع الأطراف والفرقاء، من خصوم وحلفاء، ليشكل “مظلة أمان” للجميع من موقعه كرئيس لكل اللبنانيين، وليس لفئة أو طرف.
ويعزز مؤيدوه إبراز خصائصه ومميزاته السياسية من خلال أدائه في هذه المرحلة التي تؤكد أنه يمتلك الرؤية المناسبة للأداء السياسي في ضوء التركيبة السياسية الداخلية اللبنانية، معطوفة على المستجدات الاقليمية والدولية.
أما معارضوه، فلا يجدون فيه سوى أنه سيسلم البلد بالكامل الى “حزب الله”، وبالتالي سيعيد الهيمنة السورية على لبنان، من خلال زجه في محور ما يطلق عليه “المقاومة والممانعة”، خصوصاً وأنه مرشح “الثنائي الشيعي”.
كذلك، فإن المعارضة المسيحية له، ترى ترشيحه خرقاً للميثاقية وللتوازنات الداخلية، ومصادرة لموقع رئاسة الجمهورية، كونه لا يتمتع بتأييد الأحزاب المسيحية الأكثر تمثيلاً (“التيار الوطني الحر” و”القوات” و”الكتائب”).
سليمان فرنجية يقود معركته الانتخابية بخطى ثابتة وهادئة، بعيداً عن الانفعال والصخب، معولّاً على نضوج الاتصالات الخارجية التي تقودها باريس، ومراهناً على تأييد سعودي لترشيحه، من شأنه أن يخلط الأوراق البيض وعدد الأصوات.


