نجاح مهمة لودريان تتوقف على الموقف السعودي

زياد سامي عيتاني
جان إيف لودريان

لا يزال لبنان يبحث عن مخرج لأزماته المزمنة، بدءاً من إنهاء الشغور الرئاسي، كخطوة تمهيدية للشروع في تنفيذ الاصلاحات اللازمة، لوقف الإنهيار المالي والإقتصادي، خصوصاً وأن كل الفرقاء يتصارعون على الرئاسة، على وقع تنامي حدّة التباعد والتجاذبات السياسية.

وبسبب إخفاق المجلس النيابي للمرة 12 في إنتخاب رئيس للجمهورية، فإن اللبنانيين، بعدما يئسوا من الطبقة السياسية الحاكمة والمتحكمة، يعوّلون على كل تحرك خارجي، لجهة أن تتناول مفاوضاته الوضع اللبناني، وبالتالي أن تحمل مبادرة ما، للخروج من النفق المظلم، والتي كان آخرها لقاء الاليزيه الذي جمع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واستتبع بزيارة وزير خارجية المملكة فيصل بن فرحان إلى طهران.

صحيح أن لقاء الاليزيه لم يسفر عن نتائج علنية واضحة وفورية حيال الانسداد السياسي، غير ما تضمّنه البيان المشترك، (الذي قيل إن السفير السعودي في لبنان وليد بخاري قد شارك في صياغة البند المتعلق بلبنان بصورة مقتضبة وبصيغة عمومية)، ومما جاء فيه: “ضرورة وضع حد سريع للفراغ السياسي المؤسساتي في لبنان… عائق رئيس أمام حلّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الأخيرة”.

هذا ما فسره المحللون أن اللقاء “لم يعطِ الملف اللبناني حيزاً واسعاً من النقاشات، غير التطرّق السريع إلى مواقف وتبادل أخبار عمومية، بالمقارنة مع النقاشات والاهتمامات الأخرى المتعلقة بقضايا دولية، ذات إهتمام مشترك”.

من الواضح، أن الموقف السعودي لم يحسم حتى الآن بالنسبة الى لبنان، خلافاً لكل التوقعات ولكل ما يتم التداول به، لأن المملكة لا تزال تنتظر من الفرقاء اللبنانيين أفعالاً، وليس مواقف، على الرغم من توقف الحملات عليها من جانب “حزب الله” وحلفائه، بفعل تداعيات المصالحة السعودية – الإيرانية.

فقد نقل المتابعون، أن موقف ولي العهد السعودي خلال لقائه الرئيس الفرنسي، ركز على الأساسيات والثوابت والعناوين العريضة التي تعبّر عن الموقف السعودي بشأن لبنان، لجهة ضرورة تمسّك أطراف النزاع بإتفاق الطائف، ودعوتها إلى حيز أوسع من اللبننة، وتحييد لبنان عن التجاذبات الاقليمية، وإنتخاب رئيس للجمهورية، يتمتع بتأييد الغالبية من اللبنانيين، والمسيحيين تحديداً (إستجابة لمطلب الفاتيكان)، و(بعد الحملة التي شنّت على ماكرون من صحف فرنسية)، ولعدم شعور أي مكون داخلي بالتهميش والإقصاء من قبل، وذلك مراعاة للتوازنات الخارجية الجديدة، بعد مصالحة المملكة مع كل من إيران وسوريا.

لذلك، فإن ما خلصت إليه “قمة باريس” لا يعدو كونه، مجموعة أفكار جديدة، بدأ موفد الرئيس ماكرون الشخصي جان إيف لودريان مناقشتها فور وصوله إلى لبنان (أمس)، (وهو الذي إربط إسمه بالمبادرة الفرنسية عام 2020، بعد تفجير مرفأ بيروت، وإشارته إلى أن لبنان يواجه خطر الزوال في حال إستمرّت الطبقة السياسية في التقاعس عن مسؤولياتها).

وعليه، فمن المرجح أن مستقبل عمل المجموعة الخماسية بشأن لبنان، الذي شكلته باريس، سيتوقف على الأفكار التي يحملها الموفد الفرنسي، كمخرج للإنسداد السياسي المستحكم، لا سيما وأن الدول الأعضاء تعوّل على دور أكثر تأثيراً للسعودية في لبنان، الأمر الذي يحتم على لودريان الانطلاق من قواعد أكثر توازناً بإحتمال نجاح معادلته الجديدة، من منطلق أنّ السعودية، التي تمكنت من إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، قادرة على المساهمة بالزخم والإندفاعية نفسهما في تسوية الأزمة اللبنانية، مع التذكير في هذا الإطار بأن الادارة الأميركية وفرنسا كانتا تطلبان منذ سنوات من السعودية مزيداً من الإنخراط في لبنان لمساعدته على وقف إنهياره، ليزداد هذا الطلب في أعقاب الاتفاق الاقليمي مع إيران، والانفتاح على سوريا.

إذاً، فرنسا مدركة أنها تحتاج لإنجاح مبادرتها الجديدة، إلى دعم السعودية، بحيث تدرك أن من شروط وعوامل نجاحها موافقة الرياض على مضمونها وعلى نتائج إتصالاتها بشأنها، حتى تتوافر لها ظروف النجاح، تسهيلاً للعملية الانتخابية، وإيصال رئيس جديد توافقي، ووضع حد للإنهيار الشامل في لبنان.

يتضح من ذلك كله، أن شروط عودة السعودية بزخم إلى لبنان، تتطلب من لودريان مفاوضات صعبة ومضنية مع “حزب الله”، لإقناعه بتفهم الخطر الذي يهدد لبنان، وبالتالي تليين موقفه بشأن الملف الرئاسي، من خلال التحلي بـ”التواضع” السياسي، والتماهي مع الانفراجات على صعيد المنطقة، لإنقاذ لبنان من خطر الزوال (وفقاً لتوصيف لودريان نفسه).

فهل يتمكن لودريان من النجاح في مهمته، على أنقاض فشل الخلية السابقة بقيادة باتريك دوريل وإيمانويل بون وبرنار إيميه، من خلال تظهير “مسودة” تسوية وانتاجها، حتى تتبناها اللجنة الخماسية؟

شارك المقال