العلولا حامل لبنان وجدانياً في قلبه وديبلوماسياً في ملفه

زياد سامي عيتاني

يتضح يوماً بعد يوم، أن المملكة العربية السعودية تمضي قدماً في إعادة بناء علاقاتها مع أشقائها العرب، وضمناً لبنان، على أسس ومرتكزات جديدة، تتماشى مع روح العصر، وتحاكي المتغيرات والتحولات الاقليمية والدولية.

ومما لا شك فيه، أن نسج علاقات المملكة بهذه المفاهيم المتجددة، تأخذ في الاعتبار مشروع “رؤية المملكة 2030″، بحيث أن هذه العلاقات تلاقي صيرورة المملكة إلى واقعها الجديد، الذي بدأ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان العمل على تحقيقها، من خلال رؤيته الطموحة والواعدة بولادة مملكة جديدة وعصرية للسعودية، مع المحافظة على الثوابت والمبادئ التاريخية والحضارية الضاربة في جذور أرضها المباركة.

وتحقيقاً لهذا الهدف الاستراتيجي (المتوسط الأمد)، عرف الأمير الشاب أن يختار وينتقي بعناية وحنكة فائقتين، مشهود له بهما، فريق عمله من كفاءات شبابية لامعة في شتى المجالات والاختصاصات، وبالتالي توزيع المسؤوليات والمهام عليها، ليكون كل واحد منهم ممسكاً وملماً بملف محدد، أو أكثر.

وبين الحلقة الضيقة واللصيقة بولي العهد معالي المستشار نزار العلولا (المشهود له بأنه شخصية مميزة)، الذي عيّن بأمر ملكي سعودي، “مستشاراً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالمرتبة الممتازة”، بما يحمل هذا “الأمر” من مدلول بأنه يتبوأ مرتبة إستشارية عالية ومتقدمة عند الأمير محمد، ويحظى بثقته الواسعة، خصوصاً وأنه مكلف منه بالملفين اللبناني والسوداني.

فعلى صعيد الملف البناني، تمكن العلولا من فرض مقاربة المملكة بشأنه، والمحافظة على دورها المؤثر والحاسم بشأن الأزمة اللبنانية، ما حتم على كل الدول التي كانت تنشط لبنانياً لمساعدته على إيجاد مخرج لأزمته، أن تأخذ في الاعتبار تلك المقاربة، وكذلك التنسيق معها في أي تسوية، وفي مقدمها فرنسا.

أما بالنسبة الى ملف السودان، فإنه إستطاع خلال فترة زمنية قياسية وضع خريطة طريق لإنقاذه مما كان ينتظره من حرب داخلية طاحنة.

ومع الافصاح عن “الأمر الملكي” تنفس اللبنانيون الصعداء، لأنهم يرون في تعيين العلولا في هذا المنصب الرفيع، بقاء لبنان في حسابات السعودية وإهتماماتها، دحضاً لكل التحليلات السابقة، بأن المملكة تخلت عن لبنان، جراء حملات التهجم والتجريح التي تعرضت لها من “حزب الله” في عهد ميشال عون، الذي شكل غطاءً شرعياً لتلك العدائية.

فكل من كان يلتقيه العلولا خلال جولاته إلى لبنان، يشهد له بمعرفته بالأوضاع اللبنانية وتفاصيلها ماضياً وحاضراً، فضلاً عن إلمامه العميق بالصيغة اللبنانية، بكل مكوّناتها السياسية والطائفية والمذهبية.

من هنا، فإن اللبنانيين يتوسّمون خيراً من المنصب الجديد للعلولا، في ظل إنسداد كل آفاق الحل للأزمة اللبنانية، خصوصاً في أعقاب قمة “الاليزيه”، اذ كان في صلب مباحثاته بحكم وجوده في عداد الوفد المشارك، الذي رافق الأمير محمد بن سلمان.

إذاً، يراهن اللبنانيون على الاتصالات مع عواصم القرار الدولية والاقليمية التي سيجريها العلولا، لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته، من منطلق ثوابت الرياض ومسلماتها، خصوصاً مع توسع مروحة إتصالاته الديبلوماسية، بعد المصالحة مع كل من سوريا وإيران، لما للبلدين من تأثير مباشر وفاعل مع الأطراف السياسية التي تدور في فلك محورهما.

وما يعزز هذا الدور الذي يعوّل على العلولا لتأديته، فضلاً عن حرص المملكة على وضع حد لإنهيار لبنان، الذي بات مهدداً وجودياً، الحاجة اللبنانية الداخلية والخارجية الى زخم وإندفاعية فاعلين للرياض في المساعدة على تخطي لبنان أزمته، بعدما باءت كل المساعي المحلية والخارجية دون تحقيق ذلك.

بناءً عليه، فإن الواقعية السياسية تشير إلى أن المملكة، وبعدما رفعت شعار “الديبلوماسية المستدامة”، وإنطلاقاً من مسؤولياتها وعلاقاتها التاريخية تجاه لبنان ومعه، من المؤكد أنها لن تتخلى عن لبنان، الذي يمسك ملفه بعناية وكفاءة بالغتين المستشار العلولا، لأن خبرته وحنكته تخوّلانه جيداً أن يفصل بين علاقات بلاده التاريخية المعروفة في لبنان بكل مكوّناته، وبين الأزمة التي نشأت مع “حزب الله” (قبل المصالحة مع إيران)، بكل ما أصابت العلاقة بينها وبين لبنان من شظايا نتيجة حملات الحزب عليها، بحيث أنها بالتأكيد لن تعاقب لبنان واللبنانيين على ما إقترفه الحزب الممسك من خلال ترسانته العسكرية بكل مقدرات الدولة اللبنانية… لبنان المأزوم واللبنانيون اليائسون، ينتظرون من المستشار برتبة “الممتاز” في الأمانة العامة لمجلس الوزراء السعودي، تدشين نهج جديد في علاقة الرياض مع لبنان، قد يؤسس لها خلال زيارة مرتقبة له إلى لبنان بعد عيد الأضحى.

 

شارك المقال