“سقطوا الواحد تلو الآخر، في سبيل الكلمة” عبارة رافقت حياة الصحافيين والاعلاميين في بلد الحريات.
يشتهر لبنان بحرية الصحافة والاعلام ومع ذلك، فإنه يعاني من مشكلة خطيرة تتمثل في اغتيال الصحافيين، الذي يعتبر جريمة تهدد حرية التعبير وتعرقل عملية الديموقراطية في البلاد.
منذ عقود، تعرض الصحافيون في لبنان للعديد من الاعتداءات والاغتيالات، ويعود أول اغتيال إلى العام 1977، عندما قتل رياض طوقان، مدير صحيفة “السفير” اللبنانية. منذ ذلك الحين، توالت حوادث استهداف الصحافيين في البلاد وصولاً الى اغتيال الكاتب والناشط السياسي لقمان سليم.
تؤثر الاغتيالات على حرية الاعلام وتثبط عزيمة الصحافيين عن ممارسة واجبهم في نقل الأخبار وتوفير المعلومات للمواطنين بغية معرفة ما يدور حولهم. وتؤدي هذه الجرائم أيضاً إلى ترهيب المجتمع الصحافي وتقييد حرية التعبير. ويعاني الصحافيون من التهديدات المستمرة والخوف من الانتقام إذا قاموا بتغطية قضايا حساسة أو كشف فساد.
إنطلق في اليومين الماضيين مهرجان “ميزان السينمائي” تزامناً مع اليوم العالمي للعدالة الدولية وبالتعاون مع مركز “مينا” للصورة في بيروت، بحضور شخصيات فنّية وسياسة وإعلامية، ويضع في متناول الاعلاميين مسألة الاغتيال السياسي وآلية الحؤول دون الإفلات من العقاب.
يتحدث الاعلامي منير الحافي عن المصاعب التي يواجهها الصحافي في لبنان، معتبراً أن “وضع الدولة عندما يسوء تصبح حماية الصحافيين جسدياً أمراً غير ممكن في معظم الأحيان، وهذا تحديداً ما حصل في اغتيال لقمان سليم وقبله سمير قصير وجبران تويني وغيرهم”.
ويكشف الحافي لـ “لبنان الكبير” أن الحل في عودة الحياة يبدأ من تقوية الدولة والأجهزة الأمنية وعودة المؤسسات العامة والخاصة على اختلافها إلى دورتها الطبيعية. وما إن يُسأل عن كلمة الوداع لشهداء الكلمة، يقول: “عسى أن تعبّد تضحياتهم الطريق لعودة لبنان إلى سابق عهده في التنوير والتميز الثقافي في هذا الشرق العربي”.
وفي السياق نفسه، يؤكّد الاعلامي يزبك وهبي لـ “لبنان الكبير” أن “استخدام منطق الاغتيال والقوة العسكرية والقتل هو أمر اندرج منذ الحرب أي ما بعد العام 2005 والهدف منه إسكات الكلمة الحرّة والصادقة ومن يجاهر بالحق للدفاع عن قيم لبنان الأساسية”.
ويضيف: “أنا من الأشخاص الذين يرون أن الحرية رداء إذا أُسقط عن لبنان يتعرّى”. ويشدد على أن “قول الحق يكون مربوطاً بالاستناد الى وثائق ومعلومات مثبتة بعيداً عن الأكاذيب والادعاءات”، موضحاً أن “إبداء الرأي هو حق مشروع ولكن الابتعاد عن الشتيمة نبل”.
ويختم وهبي كلامه متوجهاً الى طلاب الاعلام بالتمني عليهم خوض غمار الصحافة ولا سيما الصحافة الاستقصائية.
وتشير الاعلامية رنين إدريس الى أن الانقسامات السياسية هي السبب الأساس في ما وصل إليه الواقع الأعلامي اليوم، وأن أساليب التهديد كثرت في مطلع ثورة السابع عشر من تشرين، معتبرة أن الوضع الاعلامي في لبنان في حالة يرثى لها من الناحية المادية والتغطيات الاجتماعية، وأن الاعلامي يحتاج الى العمل في أكثر من مكان لتأمين لقمة عيشه.
“هناك شيء أخطر من اطلاق النار أو التعرض الشخصي” عبارة يصف بها الصحافي محمد عواد الواقع الاعلامي في لبنان، مؤكداً أن التعرّض للأمن المنزلي أصعب بكثير، ومن الناحية الثانية يشدد على أن كلمة الحق تكلّف المواطن دماءه والشهادات موثّقة دفع ثمنها الكثير من الضحايا، معرباً عن أسفه لمحاولة بعض المسؤولين احتكار المواطن طائفياً.
وتيرة الاغتيالات الصحافية والاعلامية في لبنان مستمرة، وكلمة الاعلام الحر ستبقى مرفوعة الصوت… معادلة تطرح مساءلات وسيناريوهات لا يمكن توقّع من ضحيّتها التالية. فهل سيبقى بلد الحريات رهينة السلاح المتفلّت؟ وهل ستبقى الوثائقيات تحمل رواية حلم انطفأت حريته؟


