“حزب إيران” مصادراً الرئاسة مقابل الاعتراف بتسلّطه

عبدالوهاب بدرخان
حزب الله

لم تعد ميليشيا “حزب إيران/ حزب الله” تحتمل أصوات رجال الدين الشيعة لأنها لاقت صدى واسعاً لدى جمهور البيئة الحاضنة، لذا لجأت الى محاولة كمّ الأفواه. لكن التدبير الذي لجأت اليه عبر قرار “الإدارة العامة للتبليغ الديني” في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، لم يكن موفّقاً، ما اضطرّ الرئيس نبيه برّي الى التدخل وحمل رئيس المجلس على اصدار بيان يتبرأ فيه من قرار “التبليغ” ويعتبره “كأنه لم يصدر”. هل انتهت المسرحية؟ بالطبع لا. فالأمر لا يتعلّق بالخمسة عشر من “مرتدي الزيّ الديني” وُصفوا اعتباطاً بأنهم “غير مؤهّلين للقيام بالإرشاد والتوجيه الديني”، وبـ “الانحراف العقائدي” و”الانحراف السلوكي” – ولعل هذا ينطبق على عددٍ منهم استُخدمت أسماؤهم فقط لإطالة اللائحة – بل قُصد عددٌ محدود من الشيوخ، أبرزهم الشيخان ياسر عودة ومحمد الحاج حسن، اللذان تصدّيا للقرار منتقدَين بشدّة ووضوح، وبسخرية وتحدٍّ، وخاطبا جماعة المجلس الشيعي مبديَين استعداداً لنزع العمامة لكن أحداً لا يستطيع نزع ما تحتها.

أصبح معروفاً الآن أن ما تحت العمامة يناقض خطاب “الحزب” وممارساته ويحمّله الجانب الأكبر من المسؤولية في ما حلّ بغالبية الشيعة، وباللبنانيين عموماً. فالشيوخ الأحرار يتحدثون منذ أعوام بما يفكّر فيه أبناء كل الطوائف، وتطلّب الأمر وقتاً للتأكد من أنهم يشكّلون حالَ اعتراض حقيقية وليست ظاهرة يغضّ “الحزب” النظر عنها كي يقال إن لديه شيئاً من سعة الصدر وفسحةً من حرية الرأي في بيئته. لعل تعاظم الغضب والنقمة حيال الأوضاع المعيشية هو ما أزعج “الحزب” الى حدّ اجبار محتجين في عين قانا على سحب ما قالوه، كما حصل لآخرين في الضاحية قبل عامين. أما اسكات الشيوخ المعترضين فشأن آخر، إذ أنهم تعرّضوا لمضايقات كثيرة، وبعد فضيحة قرار “إدارة التبليغ” لم يعودوا يستبعدون أي ممارسة فظّة أو حتى إجرامية ضدّهم، بسبب مواقفهم الواضحة وغير المتطابقة مع مواقف “الحزب” من الأحداث.

لكن قضيتهم كشفت أيضاً أن محاولة نزع أهليتهم وشرعيتهم أو اغتيالهم معنوياً تخفي وراءها جملة قضايا، منها، مثلاً، اصرارهم على لبنانيتهم واعترافهم بالدولة ومرجعيتها ودعوتهم الى قضاء مستقل، وبالتالي رفضهم ممارسات “الحزب” ورفض ما تمليه عليه إيران أو بعض أتباعها في العراق من طروح يرون فيها “تدميراً للقيم الشيعية والتاريخ الشيعي والفكر الشيعي الإسلامي”. ومنها، أيضاً، التمايز الذي لا يزال قائماً بين مدرسة السيد محمد حسين فضل الله وبين نهج “حزب إيران” من دون أن تكون هناك مواجهة علنية بينهما. ومنها كذلك أن أوضاع المجلس الشيعي نفسه حادت به بعيداً عما كان عليه مع مؤسسه الامام موسى الصدر أو مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، إذ انه فقد هيبته المرجعية ليصبح، وفقاً لبعض التوصيفات، “مطيةً للحزب” و”أداةً” له.

لا شك في أن جانباً من الحال الشيعية اللبنانية يشبه ما في الحال الشيعية العراقية بتمايزاتها “العربية” و”الإيرانية” كما ظهرت في الخلافات السياسية داخل ما يسمّى “البيت الشيعي” وفي الشقاق الحاد بين مقتدى الصدر ونوري المالكي. وعلى الرغم من الاختلافات الموضوعية بين الحالين فإن الهيمنة الإيرانية والسطوة الميليشياوية تشكلان قاسماً مشتركاً بين البلدين، والأهم أن هذا القاسم بات يُوصم هنا وهناك بالفساد الذي يمأسس الفساد ويحميه، وهذا من مثالب السلطة والتسلّط، كما أنه بات يعتبر وسيلة لإلغاء الدولة وعنواناً للتعنّت بحيث يستحيل حتى الحوار داخل المذهب الواحد فكيف بالحوار مع سائر المكوّنات في المجتمع؟ وقد بيّنت تجارب التحاور في العراق أنها مجرّد خدعة للمغالبة وتمرير مشاريع إخضاع الآخرين، من دون أي خيار آخر لهم.

هذا ما يفعله “حزب إيران” في المعضلة القائمة حالياً في لبنان، إذ يطرح الحوار واضعاً ترسانته العسكرية على الطاولة، متلاعباً بقواعد الحرب والأمن، عابثاً باحتمالات الحرب الأهلية ومقوّمات السلم الأهلي… والأخطر أنه يقف حاجزاً أمام أي حل “توافقي” للاستحقاق الرئاسي، ولا يبالي بانتظام الدولة والمؤسسات، ولا بالتعافي الاقتصادي للبلد. أي أنه يحكم مسبقاً على أي “حوار” بأنه إمّا أن يرضخ المشاركون لـ “الرئيس” الذي يعيّنه، أو أن ينتزع منهم لائحة مكاسب تكرّس استيلاءه على السلطات كافة وعندئذ لا يهمّه من يُنتخب للرئاسة لأنه سيكون تحت ادارته في أي حال. “الحزب” لا يكترث لموازين القوى السياسية، ولا لعدم امتلاكه غالبية برلمانية، ولا لوجود أكثر من طائفة ينبغي البحث عن توافق في ما بينها… صار بالغ الوقاحة الى حدّ أنه يرغب ويريد أن يعترف الآخرون بأن سلاحه غير الشرعي، وسلاحه فقط، يقرّر من يكون رئيساً وأي حكومة يمكن أن تكون أو لا تكون.

بناء على ذلك، لا يبدو البحث عن رئيس مرتبطاً بالأسماء والهويّات الظاهرة والخفيّة للمرشّحين، بمقدار ما يبدو بحثاً عن أفضل صيغة/ تسوية ترضي “حزب إيران”. فالمواجهة الداخلية التي وضعتها أحزاب المعارضة أخيراً تحت عنوان “آن أوان الحسم”، استبقها “الحزب” لحظة اختار مرشحه بمواجهة – بالعنوان نفسه – يخوضها مع الداخل والخارج معاً، وترمي الى حشر الجميع كي يسلّموا اليه مقاليد البلد، فهذا هو “الحسم” الذي يتطلّع اليه ويتوقّعه. وعلى الرغم من أنه مطمعٌ غير واقعي وغير مقبول إلا أن “الحزب” يصادر الاستحقاق الرئاسي مهما طال الشغور والإصلاحات المطلوبة أيّاً تكن ضرورتها وإمكانات حلّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وإنْ كانت ملحّة مع اقتراب الدولة من الإفلاس النهائي، وهو يساوم بكل شيء لانتزاع اعتراف بسلطته وسلاحه، ولن يحصل عليه، حتى لو سهّل النفاق والانتهازية اتفاقاً بينه وبين جبران باسيل و”التيار العوني” المتكالب على السلطة، فهما يتحاوران على تحاصص لأموال الغاز (الصندوق السيادي) لا يوحي بأي ثقة لعموم اللبنانيين. ولكل ذلك يستعد “الحزب” لاستخدام القمع والترهيب لإجهاض أي احتجاج داخل بيئته وخارجها، فبعد حادثي الكحّالة وعين ابل أصبح متيقّناً بأن البيئات كافة لم تعد تحتمل وحشيته وغلوّه.

شارك المقال