طرابلس تستعيد يتيمة ذكرى جريمة تفجير مسجديها

زياد سامي عيتاني

تحل الذكرى السوداء العاشرة للتفجير الدموي الهمجي الذي إستهدف مسجدي “التقوى” و”السلام” في مدينة “العلم والعلماء” طرابلس، في 23 آب 2013، من دون أن تختلف عن السنوات السابقة، في إصدار تصريحات “رفع العتب”، على سبيل تأدية الواجب، خالية من أي نبض يرتقي إلى مستوى الجريمة، التي تحولت ذلك اليوم المشؤوم إلى مجزرة، أغدقت شلالاً من الدّم والأشلاء والجثث المحترقة والرؤوس المقطّعة، ومئات الجرحى!

في ذلك اليوم تشابكت أيادي الاجرام اللبنانية – السورية في تنفيذ المجزرة الدموية، بواسطة سيارتين مفخختين إنفجرتا خلال صلاة الجمعة، في المسجدين المحتشدين بالمصلين، بإشراف وتخطيط ضابطين من الاستخبارات السورية. بعد مرور ثلاث سنوات على الجريمة، أصدر قاضي التحقيق في الشمال آلاء الخطيب قراره الإتهامي، في 2 أيلول، متهماً ضابطين في المخابرات السورية، هما النقيب في فرع فلسطين محمد علي علي والمسؤول في فرع الأمن السياسي ناصر جوبان، بالتخطيط والإشراف المباشرين، فيما لم يذكر القرار رئيس الحزب “الديموقراطي اللبناني العربي” رفعت عيد ولا حل حزبه.

تحل الذكرى الدموية العاشرة على “مدينة التقوى والسلام”، ولا تزال تقبع في أقبية الظلم والفقر واليتم والحقد والدم والتهميش. تحل ذكرى مأساة الفيحاء المفجعة، فيما جلادها وقاتلها ومفجرها يعيش “بسلام”، من دون أن يحاكم إحقاقاً للعدالة المغيبة، من دون تقوى. في المقابل، آلاف من شباب طرابلس يقبعون في السجون من دون محاكمات بتهمة التواصل أو القتال مع جماعات إسلامية متطرفة في سوريا، بعد أن غُسلت أدمغتهم، ودفعوا فاتورة خداعهم والمتاجرة بهم من “أهل بيتهم” قبل أعدائهم.

طرابلس الجريحة، التي بلغت ذروة إحساسها بشعوري “الفقد” و”التخلي”، تستعيد آلام ذكرى تفجير مسجديها وحيدة يتيمة متروكة، مستعيدة بطش عدو مجهول معلوم (!) متذكرة أيضاً من تخلى عنها، وتاجر بأبنائها المتخمين بالفقر والعوز، وإستثمر بهما، للوصول إلى المناصب النيابية والوزارية بإسمها، الذين لا يقلون إجراماً بحقهم عن مفجر مسجديها “بسلام”.

طرابلس اليوم، التي لا تزال متشحة بسواد الظلام والظلم، بقدر ما تتمسك بحقها بالعدالة، فهي تطالب بحقها بأن يعترف بها العاصمة الثانية للبنان، وأن يتم التعاطي معها كمدينة مدنية لها تاريخها وجذورها، يفوح من كل زاوية من زواياها عبق الحضارة ورائحة جمال “الحلاوة”.. مدينة حقها أن تحلم بسلام، لأنها حقاً “مدينة التقوى والسلام”.

شارك المقال