دلالات سياسيّة ومناطقية في نتائج انتخابات “الشرعي” شمالاً

إسراء ديب

توحي شخصيات سياسية وإعلامية شمالية مختلفة، بأنّ نتائج انتخابات المجلس الاسلامي الشرعي الأعلى في طرابلس وضواحيها، جاءت لتصبّ في مصلحة بعض السياسيين شمالاً، في وقتٍ كانت تقوم شخصيات أخرى بتأكيد الحضور السياسيّ ضمن هذه الفعاليات الانتخابية (والذي تُرجم بلائحة واحدة أو تقرّب بعض المرشحين من سياسيين حتّى ولو ترشحوا منفردين)، لكنّه لا يملك نفوذاً يُلغي الشفافية التي سادت هذا الحدث الذي أدّى إلى فوز كلّ من: فايز سيف ( 99 صوتاً)، بلال بركة (81 صوتاً)، أحمد الأمين (74 صوتاً)، مظهر الحموي (71 صوتاً)، أسامة طراد (65 صوتاً)، وائل زمرلي (60 صوتاً) ومنذر حمزة (60 صوتاً).

مؤشرات انتخابية

إنّ الانتخابات التي جرت من دون حضور رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي (الذي قيل انّه حزين على وفاة شقيقته، مع أنّه تعرّض لنقد من الأوساط الطرابلسيّة التي رأت أنّ هذا الاستحقاق وطنيّ يحتاج إلى وجود ابن المدينة)، كان شارك فيها 125 ناخباً، من أصل 134 في الهيئة الناخبة، وحسب المعلومات فإنّها سارت على ما يُرام في أجواء سادها الهدوء بعيداً من التشنّج، في ظلّ ظهور مؤشرات عدّة خلالها تُثبت معطيات سابقة وتنفي أخرى، إذْ لم تتحوّل هذه المعركة إلى منافسة شرسة كما كان متوقّعاً، بل كان حجم ثقة بعض المرشحين بفوزهم ودرجة قبولهم أمام الهيئة الانتخابية دقيقاً، بينما شعر مرشحون آخرون بتراجع حظوظهم في هذه الانتخابات، لا سيما بعد تدخلات سياسيّة أرادت مضاعفة قوّة مرشحها.

في المقابل، لم تُشكّل الدوافع “الاستقلالية” عند بعض المرشحين قدرة على نجاحهم، ما قد يُشير إلى عدم تخطي الهيمنة السياسية التي تنعكس على سيرة المرشح وصورته بشكلٍ كامل.

يُمكن القول، إنّ التدخلات السياسية لم تكن ناشطة بصورة واضحة ولم تصل إلى مرحلة نضوج تنعكس على هذا النوع من الاستحقاقات الذي يمسّ صرحاً دينياً يحتاج إلى تطوّر واستثمار جيّد، وبالتالي إنّ التوافق السياسيّ الذي وصف بـ “الركيك” أو “الهجين” لم يدفع بلائحة “الثقة والإنماء” إلى الفوز بكامل أعضائها، بل خرقها المرشحان المنفردان مظهر الحموي ووائل زمرلي، الأمر الذي أضعف القدرة السياسية التي لم تكن متوازنة أو متوافقة أساساً، إذْ يحتاج هذا النّوع من التحالف إلى نوع من التوافق على المبادئ السياسيّة والثقة المتبادلة وهي مفقودة بين السياسيين ضمن اللائحة، الأمر الذي أدّى إلى إحداث “خلخلة” تصبّ في مصلحة كلّ سياسيّ طرابلسيّ رفض التدخل في هذا الشأن الديني بطريقة “معلّبة وإملائية” بصورة مباشرة.

ورأى مصدر متابع أنّ التأخير في البتّ باللائحة وعدم اكتمالها سريعاً من جهة، كما عدم موافقة بعض الأعضاء أو اقتناعهم بها، مع استبعاد آخرين منها من جهة ثانية، انعكس على حجم القوّة التي كان يُمكنها أنْ تحظى بها شمالاً.

وقد تكون مصادر قريبة من تيّار “المستقبل” على الرّغم من عزوفه سياسياً، من أكثر الذين حصلوا على توافق بفوز أعضاء منها أو السائرين على نهج التيار وأجوائه، إذْ فاز كلّ من فايز سيف (الذي يحظى بقبول الهيئة الناخبة نظراً الى نشاطه الملحوظ في السنوات الماضية وكان نجاحه لافتاً)، بلال بركة وأسامة طراد، في وقتٍ حقّق النائب فيصل كرامي أيضاً تقدّماً ملحوظًا بعد دعمه كلّ من أحمد الأمين ومظهر الحموي (الذي كان منفرداً)، فيما لم يتمكّن الدعم السياسيّ من تحقيق فوز للمرشح الشيخ أمير رعد الذي يُقال انّه مقرّب من النائب جهاد الصمد، في وقتٍ تُؤكّد معطيات “لبنان الكبير” أنّ الاجتماع الذي عقد في الضنية كان ركّز على المرشحين طراد ورعد بحيث تمّ التوافق على اسم الأخير حتّى مع مصادر قريبة من “المستقبل”، لكن حسب المعلومات فإنّ فكرة حصول الضنية على مقعدين على حساب مدينة طرابلس، أدّى إلى حدوث إشكالية لم يتمّ التوافق عليها، ما يُشير إلى سهولة “زعزعة” الاتفاق بين الأطراف مع تصويب الاتهام على النائب الصمد ووضعه في الواجهة.

لا يُمكن إغفال أنّ نتيجة الانتخابات أكدّت تمثيل أقضية الكورة، البترون وزغرتا، بحيث قيل في وقتٍ سابق انّ مجريات الاستحقاق لم تُحقّق هذا التمثيل، لكن حصول المرشح ربيع الأيوبي على 56 صوتاً أيّ بفارق بسيط عن الأصوات الفائزة ينفي هذا الحديث، لأنّه كان قادراً على تحقيق الفوز وهذا ما دفعه للدعوة إلى ضرورة “إعادة النّظر في موضوع استبعاد الكورة”، وقد حصل على عدد أصوات يفوق آخرين، مثل المرشح وسيم شيخ العرب (40 صوتاً)، أحمد همام زيادة (35 صوتاً)، مرشح “الجماعة الاسلامية” عبد الناصر كبارة (28 صوتاً)، المحامي محمّد طالب (21 صوتاً)، زكي صافي (18 صوتاً)، مرشح “جمعية المشاريع الاسلامية” عمّار كبارة (17 صوتاً)، باسم عساف (17 صوتاً)، مهدي الدريعي (17 صوتاً)، عبد الله زيادة (12 صوتاً) ومصطفى زعبي (7 أصوات).

كما أثبتت هذه الانتخابات، أنّ الحديث عن تدخل مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمّد إمام في دعم كلّ من الدكتور منذر حمزة ووسيم شيخ العرب لم يكن دقيقاً، إذْ لم يفز العرب على الرّغم من هذا القرب الذي لم ينعكس على نتيجة الحدث الذي من المتوقّع أن يُؤدّي إلى تعيين النائب السابق سمير الجسر نائباً لرئيس المجلس بعد الوزير السابق عمر مسقاوي، وفق معطيات “لبنان الكبير” التي تُشير أيضاً إلى أنّ هذه الانتخابات لن تكون كسابقاتها، بل يستعدّ معظم الأعضاء إلى تحقيق تقدّم علمي وأكاديميّ ضمن هذا الصرح الذي أكّد بعض المرشحين أنّه يحتاج إلى نقلة نوعية تُطوّر من أدائه على صعيد هذه الطائفة.

شارك المقال